لذلك أراد الحق سبحانه ألاَّ يشغله شيء عن مهمته هذه ، وأراد أنْ يتوفر رسول الله لأداء هذه المهمة التي هو بصددها ، بحيث إذا ما عشق عملية البلاغ عن الله واندمج فيها ومعها تموت في نفسه كلُّ الأهواء ، ولا يبقى إلا انشغاله بمهمة الدعوة .
بدليل أن الوحي في أوله كان يجهد سيدنا رسول الله ، وكان جبينه يتفصَّد عرقاً ، ويذهب إلى أهله فربما يقول: زَمِّلوني زمِّلوني ، ودثِّروني دثِّروني ، ثم شاء الله تعالى أنْ يرفع عنه هذه المعاناة ، وأنْ يريحه مما أنقض ظهره وأتعبه ، ففتر الوحي فترة عن رسول الله حتى استراحتْ أعصابه ، وهدأتْ طاقته ، وبقيت معه حلاوة ما أوحي إليه هذه الحلاوة التي جعلتْ سيدنا رسول الله يتشوَّق للوحي من جديد ، وشوقك إلى الشيء يُنسِيك التعب في سبيله .
وفي ذلك قوله تعالى: {والضحى * والليل إِذَا سجى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى} [الضحى: 1 - 5] .
وعجيبٌ أن يقول المشركون عند انقطاع الوحي: إن ربَّ محمد قلاه ، ففي الجفوة عرفوا أن لمحمد رباً يجفوه ، أما حين الخلوة والجَلْوة قالوا: مُفْترٍ وكذَّاب وشاعر . . إلخ .
ومعنى {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى} [الضحى: 4] يعني: ستكون عودة الوحي خيراً لك من بدايته ؛ لأنه جاءك أولاً فوق طاقتك فأجهدك ، أما في الأخرى فسوف تستدعيه أنت بنفسك وتنتظره على شوق إليه ، فطاقتك هذه المرأة مستعدة لاستقباله ، قادرة على تحمُّله دون تعب أو إجهاد .
إذن: فالحق سبحانه جعل لرسوله ما يُيسِّر له أمر الاندماج في المستقبل ، لذلك لما عاوده الوحي لم يتفصَّد جبينه عرقاً ، ولا أُجهد كالمرة الأولى ، لأن طاقة الشوق عنده وطاقة الحب تغلبتا على هذا التعب وهذا الاجتهاد .