ورُوى أن سيدنا عمر مرَّ على راعٍ فقال له: يا راع ، فنظر الراعي إلى أمير المؤمنين ، وقال: نعم يا راعينا - يعني: أنا راعي الغنم وأنت راعي الراعي ، فكأنه لا يتكبر راعٍ على راعٍ - فقال عمر: يا هذا في الأرض التي تبعد عنك كذا وكذا سَرْح أجمل من هذا وأخصب ، فاذهب إليه بماشيتك .
وهذا درس في تحمُّل مسئولية الرعية والحرص عليها ، وكان عمر رضي الله عنه خير مَنْ تحمَّل هذه المسئولية ، فيُرْوى أن سيدنا عمر وسيدنا عبد الرحمن بن عوف رأيا جماعة من التجار عابري السبيل يلجئون إلى المسجد للمبيت فيه ، منهم مَنْ يحمل بضاعته ، ومنهم مَنْ يحمل ثمن بضاعة باعها ، فخافا أن يجتريء عليهم أحد فيسرقهم ، فبات عمر وعبد الرحمن يتسامران حتى الفجر لحراسة هؤلاء العابرين .
وحتى الآن ، في الفلاحين يقول الذاهب في الصباح إلى الحقول (نسْرَحْ) وللعودة آخر النهار (نروح) ، ثم تُدوول هذا اللفظ فأْطلق على كل خروج إلى شيء ، ومن ذلك نقول: اعطني التسريح ، فكأني كنت محبوساً فسمح لك بالخروج ، ومن ذلك تسريح الزوجة .
لكن تسريح الزوجة وصفه الله تعالى بقوله {سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 49] وكل شيء وُصِف في القرآن بالجمال له مزية في ذاته ، كما في {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ . .} [يوسف: 18] وتسريح الزوجة عادة ما يصاحبه غضب وانفعال ، فينبغي أنْ يكون التسريح جميلاً لا عنفَ فيه ، كأنْ يُطيِّب خارطها بقوله: هذا قدرنا ، وأرجو الله أن يُعوِّض عليك بخير مني أو غير ذلك ، مما يراه مناسباً لتخفيف الخطْب عليها ، ويكفي أن تتحمل هي ألم المفارقة ومصيبة الطلاق . وأيُّ جمال فيمَنْ يفارق زوجته بالسُّباب والشتائم ، ويؤذيها بأن يمنعها حقاً من حقوقها .