وعلى تقدير صحته فإن ذلك منه عليه السلام تغليظ على أزواجه لحرمتهن كما غلظ عليهن أمر الحجاب ؛ كما أشار إليه أبو داود وغيره من الأئمة.
ويبقى معنى الحديث الصحيح الثابت وهو"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة بنت قيس أن تعتدّ في بيت أمّ شَريك ؛ ثم قال:"تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أمّ مَكْتُوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك ولا يراك"قلنا: قد استدلّ بعض العلماء بهذا الحديث على أن المرأة يجوز لها أن تطلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطلع من المرأة كالرأس ومعلّق القُرْط ؛ وأما العورة فلا."
فعلى هذا يكون مخصصاً لعموم قوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} ، وتكون"من"للتبعيض كما هي في الآية قبلها.
قال ابن العربي: وإنما أمرها بالانتقال من بيت أمّ شَريك إلى بيت ابن أمّ مكتوم لأن ذلك أوْلى بها من بقائها في بيت أمّ شريك ؛ إذ كانت أمّ شريك مؤثرة بكثرة الداخل إليها ، فيكثر الرائي لها ، وفي بيت ابن أمّ مكتوم لا يراها أحد ؛ فكان إمساك بصرها عنه أقرب من ذلك وأوْلى ، فرخص لها في ذلك ، والله أعلم.
الثالثة: أمر الله سبحانه وتعالى النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين ، إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذاراً من الافتتان ، ثم استثنى ما يظهر من الزينة ؛ واختلف الناس في قدر ذلك ؛ فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب.
وزاد ابن جبير الوجه.
وقال سعيد بن جبير أيضاً وعطاء والأوزاعِيّ: الوجه والكفان والثياب.
وقال ابن عباس وقتادة والمِسْوَر بن مَخْرَمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسّوار والخِضاب إلى نصف الذراع والقِرطة والفَتَخ ؛ ونحو هذا فمباح أن تُبدِيه المرأة لكل من دخل عليها من الناس.