الوجه الأول: أن هذا الحديث بهذا السياق والتمام لا يصح؛ لأنه من رواية الواقدي؛ وهو متروك الرواية متهم بالكذب، وفاطمة بنت مسلم لم أجد من ترجم لها بجرح أو تعديل، وبناء على ذلك فالزيادات التي انفردت بها هذه الرواية لا تقبل ولا يعول عليها، ومن هذه الزيادات قولها: ما تشبع من أم سلمة؛ فهذه الفقرة لا تصح.
الوجه الثاني: ولو صحت لكانت محمولة على الغيرة التي تدل على حب عائشة لزوجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما العيب في ذلك؟ وقد سبق الكلام عن الغيرة.
الوجه الثالث: مثال العدوتين الذي ضربته عائشة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- له أصل في الصحيح وهو من مناقب عائشة في -رضي الله عنها- بالمقارنة مع سائر أمهات المؤمنين، وهذا واضح عند أصحاب الفطر السليمة. وها هو الحديث الصحيح بذلك:
عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت لو نزلت واديًا وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرًا لم يؤكل منها، في أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال:"في التي لم يرتع منها". تعني: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يتزوج بكرًا غيرها.
وهذه الرواية الصحيحة لا تعلق لها بأم سلمة على الخصوص، وإنما هي تدل بنفسها على من أرسله الله بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا بذكر شيء خصها الله به من دون نساء النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي هذه الرواية الصحيحة فوائد، منها ما يلي:
1 -أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يتزوج بكرًا غيرها وهذه خصوصية لها من دون نساء النبي -صلى الله عليه وسلم-.
2 -وهذا أحد الوجوه التي بها يندفع كون زواجه -صلى الله عليه وسلم- لأجل الشهوة والدنيا، فلو كان
الأمر كذلك لاستكثر من الأبكار، وقد سبق الكلام في هذه.
3 -ومنها أنها كانت أحب أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليه، كما ثبت ذلك عنه في البخاري وغيره، أنه سئل: أيُّ الناس أحب إليك؟ قال:"عائشة". قيل: فمن الرجال؟ قال:"أبوها".
وأما قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة؛ فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها".