الثاني: ومن الجبلة والفطرة أن الإنسان ربما يغار، وخاصة إذا كان مع أهل الفضل، فنساء النبي -صلى الله عليه وسلم- تصيبهن الغيرة، وهذا قد يكون -في بعض الأحوال- من أصالة المرأة؛ لأنها إذا كملت محبتها لزوجها تفانت في هذه المحبة إلى درجة أنها تغار، فلما أُتي بالطعام غارت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، فضربت القصعة فكسرتها وسقط الطعام، حتى ورد في الخبر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل يقول:"غارت أمكم، غارت أمكم، غارت أمكم"، ومَنْ الذي لا يغار على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟! فلما كسر الإناء وذهب الطعام ندمت عائشة -رضي الله عنا-، وسألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن هذا الأمر؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يضيع سعي العبد إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، فسألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ما صنعت، فأمرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالضمان وقال:"إناء كإناء، وطعام كطعام"أي: اضمني إناءً مثل الإناء الذي كسرتيه، واضمني طعامًا مثل الطعام الذي أتلفتيه.
فوضح بهذا أن هذه الغيرة فطرية طبيعية لاشيء فيها، بخلاف الغيرة التي تصل إلى حالة المرض والعياذ بالله، ولم يقع منها شيء في البيت النبوي بحمد الله.
الثالث: أن مثل هذه الأمور تحدث في البيت النبوي لنتعلم كيف نتصرف فيها إذا حدثت لنا، لأن لنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأسوة الحسنة، وبهذه المناسبة نذكر بعض الفوائد من هذا الحديث فانظرها في الحاشية.
الرواية الرابعة:
عن عائشة تقول يومًا: دخل عليَّ يومًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت: أين كنت منذ اليوم؟ قال:"يا حميراء، كنت عند أم سلمة"، فقلت: ما تشبع من أم سلمة! قالت: فتبسم، فقلت: يا رسول الله، ألا تخبرني عنك لو أنك نزلت بعدوتين إحداهما لم تُرْعَ والأخرى قد
رُعيت؛ أيهما كنت ترعى؟ قال:"التي لم تُرْعَ"، قلت: فأنا ليس كأحد من نسائك، كلُّ امرأة من نسائك قد كانت عند رجل غيري، قالت: فتبسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
والرد على ذلك من وجوه: