ومن هنا أيضا ندرك بعض السرّ فِي أن كان من تدبير اللّه سبحانه وتعالى ، ومن فضله العظيم على أبى بكر وإحسانه العميم إليه .. أن تتنزل رحمات اللّه على هذا البيت الكريم ، الذي تعرض لهذه العاصفة الهوجاء المجنونة ، وأن يطلع منه هذا النور السماويّ الوهاج ، الذي يفضح دعاة الإفك ، ويخزيهم ، ويسمهم بسمات الذلة ، ويقيمهم فِي قفص الاتهام إلى يوم الدين ، حيث ينظر إليهم نظرة اتهام ، كلّ قارئ لكتاب اللّه ، مرتل لتلك الآيات البينات ، التي نزل بها الروح الأمين على الرسول الكريم ، فِي بيت الصدّيق ، وعلى مشهد منه ، ومن أهله جميعا ..
ففى زورة للرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - لآل أبى بكر ، وهم فِي هذه المحنة القاسية ، وفى أثناء حديث مرير ، حرج ، مزعج ، بين رسول اللّه ، وبين أم المؤمنين - تهبّ على هذا الجمع الكريم ريح طيبة ، كأطيب ما يكون الطيب ، ويخلص إلى نفوس الجمع منها ، أنفاس عطرة ، تشيع السكينة ، والأمن ، والرضا ، فيجد لها كل من ضمه هذا المجلس الطيّب فِي رحاب هذا البيت الكريم - نغما علويا ، يصدح بألحان مسعدة ، تزفّ بين يديها آيات اللّه محمولة على أجنحة نورانية ، ترف حول رسول اللّه ، وتوشك أن تشتمل عليه ..
ويمسك القوم عن الحديث بعد أن اتصل رسول السماء بالنبيّ ، وتسكن الجوارح ، وتبهر الأنفاس ، وتتعلق الأبصار برسول اللّه ، وما غشيه من هذا النور المتدفق من السماء ..
ويأخذ الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - ما يأخذه من الوحي ، والقلوب واجفة ، والأبصار زائغة. والنفوس قلقة .. لا يدرى أحد ما جاءت به السماء ، وما يكون لها من حديث عن هذا الحدث الصاعق! وإن كانت السيدة عائشة على إيمان وثيق بربّها ، وعلى ثقة مطلقة بطهرها ، وبراءتها - فإنها ما كانت تتوقع - كما كانت تحدث عن نفسها فيما بعد - أن ينزل فِي شأنها قرآن ، وأن تتنزل من السماء آيات تزكّيها ، وتدمغ الباغين عليها!.