إنه - رضوان اللّه عليه - لم ينظر إلى نفسه ، ولا إلى ابنته ، وإنما نظر إلى رسول اللّه ، وما أصابه فِي نفسه من هذا الأمر .. وإنه ليودّ مخلصا أن لو نزل طير من السماء ، فاختطف ابنته ، أو انشقت الأرض فابتلعتها ، إذ كانت - فِي نظره يومئذ - هي الشوكة التي شاك بها المشركون والمنافقون رسول اللّه ..
وإنه لا شيء أبغض إلى الصديق - رضوان اللّه عليه - من شيء يجيء إلى رسول اللّه منه ما يسوؤه ، ولو كانت نفسه التي بين جنبيه ، أو كانت فلذة كبده ..
عائشة ، رضوان اللّه عليها! إن الصدّيق - رضوان اللّه عليه - لم يكن ينظر إلى تلك الفرية إلا من حيث ما أصاب الرسول منها من أذى ..
وسواء أصحت عنده تلك التهمة أو لم تصح .. فإنها آذت النبيّ .. والصدّيق لا يهمه فِي الدنيا شيء ، إلا أن يرى النبيّ معافى من كل ضرّ ، بعيدا عن كل أذى .. أما ما وراء ذلك - وإن عظم - فهو هين ، يمكن أن تتحمله النفس وتصبر عليه ..
ومن هنا ندرك ، ما كان يعالجه الصدّيق من هموم ، وما يعاينه من آلام! ..
فهو - كمؤمن من المؤمنين ، وأكثرهم حملا لأعباء الإسلام - قد أخذ بنصيبه الأوفى من تلك التهمة ..
ثم هو كأكثر المؤمنين حبّا لرسول اللّه ، وتعلقا به ، وإيثارا له .. قد ذهب بالنصيب الأوفر منها ..
ثم هو كأب لأم المؤمنين ، وكسيد من سادات القوم ، يحرص على شرفه - قد أخذ نصيبه كاملا منها ..
ومع هذا كله ، ومع تلك الأعباء الثقال التي حملها - فإنه - رضوان اللّه عليه لم ير النبيّ إلا ما يحبّ ، ولم يسمعه إلا ما يرضيه .. وإنه لو استطاع أن يحمل عن النبيّ ما حمل من هذا الأمر لفعل .. ولكنه كان أبدا مع قوله تعالى:
« فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ » ..