أَي: ولولا فضل الله ورحمته لمسكم عذاب عظيم حين تتلقون هذا الإفك من ناقليه، بعد طلبم بأَلسنتكم سماعه وتروون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، وإنما جاءَكم عن طريق السماع عن الآفكين، وتحسبون ترويج الكذب على عرض ابنة الصديق وزوج الرسول أَمرًا خفيفًا سهل العاقبة، والحال أَنه عند الله أمر عظيم في إثمه وسوء عاقبته، فالقدح في الأَعراض شين عظيم، وإثم كبير، فكيف به في عرض أم المؤمنين، وزوج خاتم المرسلين.
جاءَ في الصحيحين أَنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدرى ما تبلغ، يَهْوِى بها في النار أَبعد ما بين السماء والأرض"وفي رواية:"لَا يُلْقى لها بالًا".
ويصح أَن يكون المعنى: إِذ يتلقاه بعضكم بأَلسنة بعض آخر منكم، وتروون بأَفواهكم عنهم ما ليس لكم بصحته علم، وكلا المعنيين جيد، وفسره مجاهد وابن جرير - كما نقله ابن كثير - بأَن يرويه بعضهم عن بعض، يقول هذا: سمعت كذا من فلان، ويقول آخر: قال فلان كذا، ويقول ثالث: ذكر بعضهم كذا - انتهى بتصرف، والمعاني متقاربة وإن كان ما قلناه أَولًا وثانيًا أَقرب إِلى النص الكريم مما نقله ابن كثير عن ابن جبير ومجاهد.
16 - {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} :
بعد أَن أدب الله الخائضين قبل هذه الآية بأن يظنوا خيرًا بمن تجمعهم بهم أُخوة الإِيمان حين يسمعون عنهم قالة السوءِ، جاءَت هذه الآية بلون آخر من التأْديب.
والمعنى: هلَّا حين سمعتم ما لا يليق في شأْن الخِيرَة قلتم - مع الظن بهم خيرًا: لا ينبغي لنا ولا يصح أن نتكلم بهذا عن الأَطهار البررة، بدلًا من ترديدكم له بالرواية عن مخترعيه، هلَّا قلتم متعجبين ومستكبرين لما يقولون: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} وكذب محُيِّرٌ خطيرٌ لا يصح أن يقال في عرض كرام المؤمنين.