بعد أن بيّن الله تعالى ما في خبر الإفك من تَبعات لحق بسببها للذين جاءوا به والذين تقبلوه عديدُ التوبيخ والتهديد ، وافتضاحٌ للذين روّجوه وخيبةٌ مختلقة بنقيض قصدهم ، وانتفاعٌ للمؤمنين بذلك ، وبيّن بادئ ذي بدء أنه لا يحسب شراً لهم بل هو خير لهم ، وأن الذين جاءوا به ما اكتسبوا به إلا إثماً ، وما لحق المسلمين به ضر ، ونعى على المؤمنين تهاونهم وغفلتهم عن سوء نية مختلقيه ، وكيف ذهلوا عن ظن الخير بمن لا يعلمون منها إلا خيراً فلم يفندوا الخبر ، وأنهم اقتحموا بذلك ما يكون سبباً للحاق العذاب بهم في الدنيا والآخرة ، وكيف حسبوه أمراً هيّناً وهو عند الله عظيم ، ولو تأملوا لعلموا عظمه عند الله ، وسكوتَهم عن تغيير هذا ؛ أعقب ذلك كله بتحذير المؤمنين من العود إلى مثله من المجازفة في التلقي ، ومن الاندفاع وراء كل ساع دون تثبت في مواطئ الأقدام ، ودون تبصر في عواقب الإقدام.
والوعظ: الكلام الذي يطلب به تجنب المخاطب به أمراً قبيحاً.
وتقدم في آخر سورة النحل (125) .
وفعل {يعظكم} لا يتعدى إلى مفعول ثان بنفسه ، فالمصدر المأخوذ من {أن تعودوا} لا يكون معمولاً لفعل {يعظكم} إلا بتقدير شيء محذوف ، أو بتضمين فعل الوعظ معنى فعل متعدّ ، أو بتقدير حرف جر محذوف ، فلك أن تضمّن فعل {يعظكم} معنى التحذير.
فالتقدير: يحذركم من العود لمثله ، أو يقدّر: يعظكم الله في العود لمثله ، أو يقدر حرف نفي ، أي أن لا تعودوا لمثله ، وحذف حرف النفي كثير إذا دل عليه السياق ، وعلى كل الوجوه يكون في الكلام إيجاز.
والأبد: الزمان المستقبل كله ، والغالب أن يكون ظرفاً للنفي.