فأبان أن ظن القبيح بالمسلم كهمزه ولمزه ونهره والسخر به والهزء به، ونهى عنع وأخبر أنه إثم.
ونهى عن التجسس وهو تتبع أحواله في خلواته وجوف داره والتعرف له.
فإن ذلك إذا بلغه شيئاً وشق عليه، فكان التعرض له من باب الأذى الذي لا موجب له، ولا مرخص فيه، ولأن تتبع هذه الأمور كالإطلاع على ما وراء الباب والستر، وإذا كان ذلك حراماً كان التتبع من غير الإطلاع مثله.
ولأن البيوت أكناف الناس وحصونهم فمن يتبع عوراتهم ويجس أحوالهم في خلواتهم كان كمن أتاهم من مأمنهم وأفسد عليهم إحرازهم، وكل ذلك حرام ممنوع.
ثم نهى عن الغيبة، فقال: {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} أي لا يذكره هو غائب عنه فلو كان حاضراً فسمعه لسب عليه.
وشبه الإغتياب بأكل لحم الميت لأن الميت لا يشعر بأن يؤكل لحه، كما لا يشعر الغائب بأن يثلب عرضه.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «ما صام من صلى يأكل لحوم الناس» فشبه الوقيعة في الناس بأكل لحومهم.
فمن ينقص مسلماً ويثلب عرضه فهو يأكل لحمه حياً.
ومن اغتابه فهو يأكل لحمه ميتاً.
ونهى النبي - صلى الله عليه وسلّم - عن الغيبة فقيل: «يا رسول الله، أرأيت إن ذكرته بما فيه، قال: إنك إن ذكرته بما ليس فيه فقد بهته» فأبان أن الغيبة المحترمة هو أن يذكره بما يكون فيه، فأما ذكره بما ليس فيه فهو من الزور والبهتان وليس من الغيبة في شيء والله أعلم.
ولا ينبغي لمسلم أن يصاخب مسلماً ولا أن يغلظ له قولاً، ولا أن يتعرض لمساً، أنه وقد مضى ما يتصل بهذه المعاني في أبواب متفرقة من هذا الكتاب.
وفي ذلك عناية وكفاية إن شاء الله.
ولا ينبغي لمسلم أن يبهت مسلماً.
قال ابن عمر رضي الله عنهما: من بهت مؤمناً أو مؤمنة بما لا يعلم حبسه الله في ردهة الجبال يوم القيامة حتى يجد مخرجاً مما قال، وعن ابن المسيب رضي الله عنه قال: إن من أولى الرياء الإستطالة في عرض المسلم.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -: «رحم الله من كف لسانه عن أعراض المسلمين إلا بأحسن ما يقدر عليه، فإنه لا تحل شفاعتي لطعان ولا لعان» . انتهى انتهى {المنهاج في شعب الإيمان، للحَلِيمي} ...