وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} الْعَفَائِفَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ , إِمَاءً كُنَّ أَوْ حَرَائِرَ. فأَجَازَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ نِكَاحِ إِمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ الدَّائِنَاتِ دِينَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ , وَحَرَّمُوا الْبَغَايَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ.
عَنْ عَامِرٍ:"إِحْصَانُ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ: أَنْ لَا تَزْنِيَ وَأَنْ تَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ"
عَنْ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّهُ قَالَ فِي الَّتِي تُسَرِّي قَبْلَ أَنْ يُدْخَلَ بِهَا , قَالَ: «لَيْسَ لَهَا صَدَاقٌ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا»
عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ , قَالَ: «مَمْلُوكَاتُ أَهْلِ الْكِتَابِ بِمَنْزِلَةِ حَرَائِرِهِمْ»
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي حُكْمِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} أَعَامٌّ أَمْ خَاصٌّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَامٌّ فِي الْعَفَائِفِ مِنْهُنَّ , لِأَنَّ الْمُحْصَنَاتِ الْعَفَائِفُ , وَلِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ كُلَّ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ حَرْبِيَّةً كَانَتْ أَوْ ذِمِيَّةً. وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} وَأَنَّ الْمَعْنِيَّ بِهِنَّ الْعَفَائِفُ كَائِنَةً مَنْ كَانَتْ مِنْهُنَّ. وَهَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِالْمُحْصَنَاتِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْعَفَائِفُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ اللَّوَاتِي عَنَى بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} الْحَرَائِرُ مِنْهُنَّ , وَالْآيَةُ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِهِنَّ , فَنِكَاحُ جَمِيعِ الْحَرَائِرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى جَائِزٌ , حَرْبِيَّاتٍ كُنَّ أَوْ ذِمِّيَّاتٍ , مِنْ أَيِّ أَجْنَاسِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كُنَّ وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ: نِكَاحَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابِيَّاتِ مِنْهُنَّ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ أَجْنَاسِ الْأُمَمِ الَّذِينَ دَانُوا بِالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ. وَذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ.