يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {تُعَلِّمُونَهُنَّ} تُؤَدِّبُونَ الْجَوَارِحَ , فَتُعَلِّمُونَهُنَّ طَلَبَ الصَّيْدِ لَكُمْ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ , يَعْنِي بِذَلِكَ: مِنَ التَّأْدِيبِ الَّذِي أَدَّبَكُمُ اللَّهُ وَالْعِلْمِ الَّذِي عَلَّمَكُمْ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} كَمَا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ.
وَلَسْنَا نَعْرِفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ بِمَعْنَى الْكَافِ , لِأَنَّ مِنْ تَدْخُلُ فِي كَلَامِهِمْ بِمَعْنَى التَّبْعِيضِ , وَالْكَافُ بِمَعْنَى التَّشْبِيهِ.
وَإِنَّمَا يُوضَعُ الْحَرْفُ مَكَانَ آخَرَ غَيْرِهِ إِذَا تَقَارَبَ مَعْنَيَاهُمَا , فَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَتْ مَعَانِيهُمَا فَغَيْرُ مَوْجُودٍ فِي كَلَامِهِمْ وَضْعُ أَحَدِهِمَا عُقَيْبَ الْآخَرَ , وَكِتَابُ اللَّهِ وَتَنْزِيلُهُ أَحْرَى الْكَلَامِ أَنْ يُجَنَّبَ مَا خَرَجَ عَنِ الْمَفْهُومِ وَالْغَايَةِ فِي الْفَصَاحَةِ مِنْ كَلَامِ مَنْ نَزَلِ بِلِسَانِهِ
[عَنْ] عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ الطَّائِيَّ , قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ عَنْ صَيْدِ الْكِلَابِ , فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ لَهُ , حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} ""
قِيلَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يُسْتَشْلَى لِطَلَبِ الصَّيْدِ إِذَا أَرْسَلَهُ صَاحِبُهُ , وَيُمْسِكَ عَلَيْهِ إِذَا أَخَذَهُ فَلَا يَأْكُلَ مِنْهُ , وَيَسْتَجِيبَ لَهُ إِذَا دَعَاهُ , وَلَا يَفِرَّ مِنْهُ إِذَا أَرَادَهُ , فَإِذَا تَتَابَعَ ذَلِكَ مِنْهُ مِرَارًا كَانَ مُعَلَّمًا.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: «الْمُعَلَّمُ مِنَ الْكِلَابِ أَنْ يُمْسِكَ صَيْدَهُ فَلَا يَأْكُلَ مِنْهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ صَاحِبُهُ , فَإِنْ أَكَلَ مِنْ صَيْدِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ صَاحِبُهُ فَيُدْرِكَ ذَكَاتَهُ , فَلَا يَأْكُلْ مِنْ صَيْدِهِ»
وَقَالَ آخَرُونَ نَحْوَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ , غَيْرَ أَنَّهُمْ حَدُّوا لِمَعْرِفَةِ الْكِلَابِ بِأَنَّ كَلْبَهُ قَدْ قَبَلَ التَّعْلِيمَ , وَصَارَ مِنَ الْجَوَارِحِ الْحَلَالِ صَيْدُهَا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ كَلْبَهُ مَرَّاتٍ ثَلَاثًا وَهَذَا قَوْلٌ مَحْكِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.