وبالله من الذي يستطيع أن يحكم في نهاية معركة بين قوتين عظيمتين؟ إنه حكم لا يستغرق يوما ، حتى ولو كان قائله عرف أن هناك مددا قادما للقوة التي ستنتصر ، إنه حكم يستغرق بضع سنين . فمن الذي يستطيع أن يتحكم في معركة ستحدث بعد بضع سنين؟ لا يستطيع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجازف بهذا الحكم ، وهو لا يعرف استعدادات كل قوة وحجم قواتها وأسلحتها ، لكن الأمر يأتي كخبر موثق من الله: {وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم: 3 - 4]
وهذا كلام موثق ، لأنه قرآن مسطور يقرأه المؤمنون تعبداً . وعندما سمع أبو بكر الصديق هذه الآية ، قال لقد أقمت رهاناً بأن الروم ستنتصر بعد ثلاث سنين ، وطالبه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يمد مدة الرهان لأن الله قال: {فِي بِضْعِ سِنِينَ} والبضع ما بين الثلاث إلى التسع ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا أبي بكر - رضي الله عنه - فزايده في الخطر ومادّه في الأجل فجعلت مائة قلوص (ناقة) إلى تسع سنين . كأن هذا الأمر قد لقي الوثوق الكامل من المؤمنين ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أخبر بالنصر .
لقد أوردنا ذلك هنا حتى نفهم أن عواطف الرسول صلى الله عليه وسلم كانت مع الذين يؤمنون بكتاب وبرسول . ونحن هنا نجد الحق يحلل لنا مطاعمة أهل الكتاب حتى تكون هناك صلة بيننا وبين من يؤمن بإله وبمنهج السماء: {وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} .