وهذا قول ابن عباس والبراء ومحمد بن علي رضي اللّه عنهم.
تدل هذه الآية على أن حضرة الرّسول لم يكتم شيئا من الوحي ، خلافا للأمامية القائلين بذلك من أنه كتم بعضه تقية ، وحاشاه من ذلك ، لأن الإمساك المار ذكره كان عن جماعة مخصوصين مكابرين آنفين لا عن غيرهم ، ومع هذا قد أمره ربه بإبلاغهم وحيه.
روى مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها قالت من حدثك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كتم شيئا مما أوحي إليه فقد كذب ، ثم قرأت هذه الآية - أخرجاه في الصّحيحين - وفي رواية قالت لو كتم شيئا لكتم قوله تعالى (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) الآية 37 من سورة الأحزاب المارة في قصة زيد رضي اللّه عنه.
أما ما خصّ به من علم الغيب مما ليس بقرآن وقد تلقاه عن ربه بواسطة الأمين جبريل مما لا يسعه عقول النّاس إذ ذاك ، فهذا مما لم يؤمر بتبليغه إذ لم يكن من القرآن ، لأن وجوب التبليغ عليه مقصور على القرآن فقط لأنه له ولأمته ، أما غيره مما أوحى إليه فمنه ما هو واجب إبلاغه للناس لتعلقه بهم ، ومنه ما هو خاص به فقط ، ومنه ما هو مخيّر بين تبليغه وكتمه.
قال تعالى (فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى)
الآية 10 من سورة النّجم أي شيئا عظيما أوحاه إليه وأسرّه بأشياء جليلة لا تظهر لنا في الدّنيا بل حينما يعطي الشّفاعة الكبرى بالآخرة ، وإنما لم يظهرها لنا لأنا قد لا نعيها ولا ندرك ما ترمي إليه ، ولا نقدر أن نتصورها ، وقد أشار سيد العارفين الامام زين الدّين الحديث الذي رواه البخاري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال حفظت من رسول اللّه دعاءين ، فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني الحلقوم ، وقال:
إني لأكتم من علمي جواهره كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا
وقد تقدم في هذا أبو حسن إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا
فرب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا