فهو أقوى منه على ما قالوا ، ثم قال له على طريق التخويف من العاقبة"إِنِّي أُرِيدُ"بعدم إرادتي قتلك وعدم الذبّ عن نفسي"أَنْ تَبُوءَ"تحتمل وترجع إلى اللّه"بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ"الذي لم يقبل لأجله قربانك ، كما سيأتي بالقصة"فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ"الخالدين فيها كما يفهم من معنى الصّحبة"وَذلِكَ"الجزاء الفظيع عند اللّه هو"جَزاءُ الظَّالِمِينَ" (29) أمثالك الّذين يقدمون على قتل النفس عمدا بلا حق ، فلم يؤثر ما أبداه له ولهذا قال تعالى حاكيا حاله وإصراره على الشّر"فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ"ولم يلق بالا للنصح والتهديد والوعظ ، فتحين فرصة للغدر به بغياب أبيهما"فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ" (30) الدنيا لغضب أبيه وأمه وفقد أخيه والآخرة بغضب اللّه وعذاب النّار والحرمان من الجنّة ،
ولما فعل فعلته لم يعلم ماذا يفعل بجثته فحمله على ظهره لأنه أول قتيل أهريق دمه على وجه الأرض من بني آدم ، لذلك لم يعرف ما يفعل به بعد قتله"فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ"وكان معه غراب مقتول (ولم يكرر لفظ الغراب ويبحث في القرآن) كان تقاتل معه فقتله ، فحفر الأرض برجليه ودفنه فيها ، وإنما بعثه اللّه إليه"لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ"فتنبه لذلك وفعل بأخيه ما فعل الغراب ، ثم قال مؤنبا نفسه على فرط جهله وحمقه ، إذ علم أن الغراب أفطن منه"قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي"خير من أظل حاملا له ، ولما دفنه رأي نفسه وحيدا"فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ" (31) على قتل أخيه وحمله إياه مدة سنة على ما قيل ولم ينتبه لأن يعمل فيه ما عمله الغراب بأخيه الذي قتله مثله وزاد عليه بالمعرفة ، إذ دفنه حالا.