ما سبق منكم فيسامحكم"وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ"مما تفعلونه وتخفونه ولا يتعرض له ، فيجدر بكم أن تصدقوه وتؤمنوا به بعد أن أراكم هذه المعجزة وهي علمه بما في كتبكم ، وهو أمّي لا يقرأ ولا يكتب ، فآمنوا به لتفلحوا فإنه"قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ"ببعثته وهدى لتقتدوا به لأنكم في ظلمة وعماء من أمر دينكم ، ومن كان في الظّلمة يريد طرق الاهتداء
إلى النّور فاهتدوا بهذا النّور الذي جاءكم به"وَكِتابٌ مُبِينٌ" (15) للحق من الباطل ، والرّشد من الضّلال ، والحرام من الحلال ، ألا وهو القرآن العظيم الجامع لما في الكتب السّماوية كلها ، فاغتنموا أتباعه فإنه"يَهْدِي بِهِ"بهذا الكتاب"اللَّهُ"تعالى كل"مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ"بسلوك الطّرق التي يرضاها والتي تكون لهم"سُبُلَ السَّلامِ"من الآفات الدّنيوية المؤدية إلى طرق النّجاة من عذاب اللّه الأخروي"وَيُخْرِجُهُمْ"أي الّذين اتبعوه وسلكوا سبل رضوانه"مِنَ الظُّلُماتِ"التي هم غارقون فيها ظلمة العقيدة وظلمة العصيان وظلمة التكذيب التي أصدأت قلوبهم فمنع تكاثف رينها وصولهم"إِلَى النُّورِ"الذي هو التصديق به والطّاعة له والإيمان بجميع ما جاءكم به ، وتلك الهداية لا تكون لأحد إلا"بِإِذْنِهِ"جل جلاله إذ لا يقع في الكون شيء إلّا بأمره وإرادته"وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ" (16) لا عوج فيه.
وهذه الآية تدل دلالة ظاهرة لا غبار عليها أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم مرسل من
اللّه تعالى إلى أهل الكتاب كغيرهم من الأمم ، بصريح الخطاب وتخصيصه بهم ، فهي وحدها كافية للرد على من يقول أن رسالته صلّى اللّه عليه وسلم خاصة للعرب المشركين فضلا عن بقية الآيات ، راجع الآية 28 من سورة سبأ والآية 5 من سورة الكهف في ج 2.
ولما بين اللّه تعالى اختلاف النصارى.