فَقَوله: {إِنَّه من سُلَيْمَان} من كَلَام"بلقيس"، لَا من كَلَام"سُلَيْمَان".
الثَّانِي: لَعَلَّ سُلَيْمَان كتب على عنوان الْكتاب: {إِنَّه من سُلَيْمَان} ، وَفِي دَاخل الْكتاب ابْتَدَأَ بقوله: {بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم} كَمَا هُوَ الْعَادة فِي جَمِيع الْكتب، فَلَمَّا أخذت بلقيس ذَلِك الكاب، وقرأت مَا فِي عنوانه، قَالَت: {إِنَّه من سُلَيْمَان} [فَلَمَّا] فتحت الْكتاب، قَرَأت: {بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم} ، فَقَالَت: {وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم} .
الثَّالِث: أَن بلقيس كَانَت كَافِرَة، فخاف سُلَيْمَان - عَلَيْهِ السَّلَام - أَن"بِسم الله"إِذا نظرته فِي الْكتاب شتمته، فَقدم اسْم نَفسه على اسْم الله تَعَالَى؛ ليَكُون الشتم لَهُ، لَا لله تَعَالَى.
{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) }
وإنما خُصَّ «يوم الدين» بالذكر مع كونِه مالِكا للأيّام كُلِّها؛ لأنَّ الأَمْلاَكَ يومئذَ زائِلة، فلا مُلْكَ ولاَ أَمْرَ إِلاَّ لَه؛ قال الله تعالى: {الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن} [الفرقان: 26] ، وقال: {لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار} [غافر: 16] ، وقال تعالى: {والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19] .
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) }
قال البَغَوِيِّ: رَحِمَهُ اللهُ تعالى - «فَإِنْ قِيلَ» : لم قدم ذِكْرُ العِبَادَةِ على الاستعانَةِ، والاستعانةُ لا تكون إلاَّ قبل العبادة؟
قلنا: هذا يلزمُ من جَعَلَ الاستعانةَ قبلَ الفعل، ونحن نَجْعلُ التوفيقَ، والاستعانةَ مع الفعل، فلا فرق بين التقديم والتأخير.
وقيل: الاستعانَةُ نوعُ تعبُّدٍ، فكأنه ذكر جملة العبادَةِ أوّلاً، ثم ذكر ما هو من تفاصيلها وأطلق كُلاًّ من فِعْلَيْ العبادَةِ والاستعانَةِ فلم يذكر لهما مفعولاً؛ ليتناول كل معبود به، وكلَّ مُسْتَعان [عليه] ، أَوْ يكون المُرادُ وقوعَ الفعلِ من غير نظر إلى مفعول؛ نحو: {كُلُواْ واشربوا} [البقرة: 60] أي أوقعوا هذين الفِعْلَيْنِ.
فصل في نظم الآية