أما تقديس الرموز فليس من ديننا في شيء، وليس هناك كبير على النقد والتقويم، وكفى بك أن تعلم أن هذه سياسة كبراء الأمة، فهذا الصديق رضي الله عنه قد أرسى تلك القاعدة النورانية، فأمرهم أن يقوموه، فبعد أن تمت البيعة العامة لأبي بكر رضي الله عنه قام فخطب في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد،،، أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله.
لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل الله، فإنه لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء.
أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. وعلى هذا سار الفاروق ومن بعده، فضلا عن الموروث عن علماء الأمة، فلا يتعبن واحد نفسه معنا فقد عرفنا الطريق.
فتقديس الأشخاص واتخاذهم أربابا من دون الله هو سبب من جملة أسباب جعلت هذه الأمة تتراجع للوراء بعد أن كانت رائدة للعالمبن, والعجيب في الأمر أن هؤلاء المنتقدين يفرحون بتعقبات الشيخ للأئمة, ولا يعدون ذلك من قبيل التشكيك فيهم وبالتالي يكون زعزعة للدين، فلا تتمعر وجوههم لنقد البخاري وتخريج أحاديث منه في كتابه المسمى «بالضعيفة والموضوعة» , ولا ينبثون ببنت شفة لما يخرج الشيخ أحاديث أبي الزبير من مسلم ويصنفها في «الضعيفة والموضوعة» , وغير ذلك مما لا يكاد يحصى , ولا يعلمه إلا أهل الصنعة.
لكن اليوم ابتليت الأمة بطغمة منتفعة يبنون رموزا ليستأكلوا من ورائها على كل المستويات بدءا من الإمارة حتى الغفارة، ولم ينج منها حقل العلم الشرعي, فنبتت فيه هذه النبتة الخبيثة حتى صارت غابات تخفي الأدواء والعلل لأمة.
ولعل هذا هو السبب الرئيس لعدم تبني الناشر استكمال الطباعة, وهو معذور في ذلك وكذا فعل غيره والله المستعان.
واليوم أعدت الكتاب بزبادات كثيرة على الأصل المشار إليه بجكم المراجعة، والنضج العلمي وتوافر المصادر، فقد كنا نعاني وقتها من صعوبة الحصول على كثير منها.
حتى إني كنت ضيفا على المكتبات العامة مثل دار الكتب للاطلاع على الكتب الكبيرة مثل تاريخ ابن عساكر, أنقل منها المواضع التي يشير إليها الشيخ, وكذا المخطوطات لكن اليوم بضغطة زر تجد ما تشاء وأنت متكيء على أريكة وثيرة, وبيدك كوب من الشاي.
أقدمه للقراء الأفاضل نشرا للعلم، وليس لي هدف من وراء ذلك إلا إصلاح الغلط، وتبيين الحق نصحا للدين، والأمر لا يعدو إلا اجتهادا، فلا يتكلف البعض بالتنقيب عن النوايا ورمي التهم، كما عهدته عقب نشر الجزء الأول، فما نحن فيه علم محض، فليقارع المعترض الحجة بالحجة، والدليل بالدليل، فلا يبخلن ناصح بنصحه ولا متعقب بتعقب حسن.
شرطي في الكتاب:
هذا وأنا على شرطي الذي بينته في الجزء الأول من الكتاب، وكان أن شرطت ذكر الأحاديث التي فيها علل قادحة بأقوى ما يمكن, لئلا يتسلسل عليها الكلام أخذا وردا فتتبدد الجهود، وحادي في هذا كلام الأئمة مؤسسي هذا العلم؛ فإني لا زلت لا أرى لمخالفهم حجة عليهم إلا التوهم والقصور، والإعجاب بالنفس مع الكسل في البحث والفتور, فلا يسعني في الغالب الأعظم إلا متابعتهم وليس تقليدهم، فشتان بين التقليد والاتباع, سيما ومعهم الحجة والبرهان.
ثم إني أنقل عنهم ولا أقف عند هذا الحد, بل أقوم بتخريج أدلتهم من المصادر الحديثية وأبين وجه تعليلاتهم وغلط معارضهم.
هذا أولا: وهو إخراج الضعيف من هذه السلسلة, وهو الخط العام والهام وهو الهدف من تأليفي للكتاب وهو مراد طالب الحق.
إلا أنني قد أخرج عن هذا الهدف لنكتة في الصناعة الحديثية, كأن يكون المتن صحيحا لكنه منكر عن الصحابي أو من دونه، فأذكره بيانا لعدم جواز اعتداد المحدث بمثل هذه الطرق؛ لأنها من باب المنكر والغلط وما ذاك سبيله، فسبيله الطرح والترك.
وتظهر فائدة ذلك عند إعمال طريقة التقوية بالصورة المجموعة, فمثل هذه الأسانيد المنكرة والشاذة لا تصلح أن تكون نواة للتقوية والاستشهاد لما ذكرنا.
لكن قد حدث التساهل الفج لدى المتأخرين والمعاصرين في هذا الباب, مما أدى لاتساع الفجوة بين المحققين قأدخلوا المناكير والبواطيل على السنة.
وقد يستكثر البعض العدد المنتقد - قد تجاوز المائتين وعشرين حديثا - فأقول:
هذا راجع لطريقة الشيخ وإنما يؤتى من عدم مراجعة تاريخ الرواية المبحوثة, يعني عللها والكلام المنثور حول رجالها في كتب العلل والتواريخ والرجال، وهذا باب كبير لحدوث الخلل فكم من حديث نضج واحترق, ثم جاء الشيخ يحييه من طريق باطل ومنكر.
كذلك طريقة معالجة الأسانيد فيها خلل من حيث:
1 -التسرع وعدم استفراغ الجهد المطلوب في تتبع الطرق وغربلتها بالطريقة العلمية والرضا بالقليل من الوجوه.
2 -الاعتماد على وجه واحد فقط وإهمال وجوه أخرى, هي في الواقع ما يعل هذا الذي جاء به منفردا وقواه.
3 -الاستكثار من طرق متأخرة ربما حتى القرن السادس, دون اعتبار لإمكان وقوع الخلل فيها بسبب طول السند
4 -التصحيف والتحريف والسقط في السند.
5 -التقليد؛ وهذا كثير جدا حيث يورد في الشواهد والمتابعات طرقا, لم يرها يكون قد ذكرها المتأخرون كالعراقي والسيوطي فيأخذها مسلمة.
6 -معالجته للخلاف السندي، حيث وجدتها مخالفة للمنقول والمعقول، فهو يذكر الخلاف ثم يقوي ما يريد من الوجوه بوجه منها.
7 -الاعتماد على قاعدته في تعديل من روى عنه ثلاثة فأكثر, وهذا قد يقبل في طبقات التابعين كما يقول به عامة المتأخرين كالذهبي والحافظ وابن كثير، لكن المستغرب منه أن يعمم ذلك حتى قرون متأخرة كالرابع والخامس.
8 -الانقطاع في طبقة التابع الصحابي، فهو لا ينتبه لذلك.
9 -التكرار، وهو أمر عجيب، فقد يكرر الحديث الواحد حتى وصل إلى أربع مرات فلو كان الحديث معلولا فتكون هناك أربع أرقام تضاف للضعيف وقد رأيت نحو ثلاثين حديثا مكررة بالنص غير ما هو مكرر بالمعنى وهذا ينافي التجويد والتنقيح المدعى.
وغير ذلك كثير سيظهر من خلال الكتاب.
ويلخص كل هذا طريقة الشيخ في العلم عموما, فبعد قراءات عدة وتأملات طويلة ظهر لي سبب التخبط في أحكامه على الأحاديث وهو اعتماده: فكرة «الانتقاء» تلك التي تسيطر على منهجه وهي سر التناقضات المستمرة، وأعني بهذا المصطلح أن الشيخ لا يولي البحث حقه الشمولي الذي يجب على الباحث عمله, فتجده في كل مسألة يأخذ منها فرعا ويدع فروعا ويأخذ أصلا ويترك بقية الأصول.
ولتوضيح هذا:
نقول فلو كان هناك حديث وله ألفاظ وأسانيد متعددة فماذا يفعل الشيخ؟
تجده يعمد إلى أحد الأسانيد وأحد الألفاظ ويعتمده مهملا البقية, ومن هنا يكون الخلل
وكنت قديما أظن أنه لم يطلع على تلك الطرق, لكن بعد التتبع ظهر لي أنه يعلمها جيدا,
لكنه لم ير أنها مؤثرة على نتيجة بحثه, وهذا باب واسع للوقوع في الغلط.
ومن هنا نفهم سر اعتماده في الرجال على كتابين وترك بقية الكتب، فهو بالأصالة يعتمد على التقريب والكاشف خاصة عند إرادة التصحيح.