(195) حديث (930) :"من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أويعلم من يعمل بهن؟ فقال أبو هريرة فقلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي فعد خمسا فقال: اتق المحارم تكن أعبد الناس وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب".
• الصحيح منه فقرة القلب، جاءت من طريق آخر:
قال الشيخ - رحمه الله: أخرجه الترمذي (2/ 50) وأحمد (2/ 310) والخرائطي في"مكارم الأخلاق" (ص 42) من طريق جعفر بن سليمان عن أبي طارق عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعا. وقال الترمذي:"حديث غريب، والحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئا".
قلت: والصواب أنه سمع منه في الجملة كما بينه الحافظ في"تهذيب التهذيب"غير أنه أعني الحسن مدلس، فلا يحتج بما رواه عنه معنعنا كما في هذا الحديث.
ثم إن فيه علة أخرى وهي جهالة أبي طارق هذا، قال الذهبي:"لا يعرف".
لكن للحديث طريقا أخرى عن أبي هريرة، قال المنذري (3/ 237) :"رواه البزار والبيهقي في كتاب"الزهد"عن مكحول عن واثلة عنه وقد سمع مكحول من واثلة، قاله الترمذي وغيره لكن بقية إسناده فيهم ضعف".
قلت: ومن هذا الوجه أخرجه الخرائطي بإسناد آخر عن مكحول بلفظ: (كن ورعا تكن أعبد الناس وكن قنعا تكن أشكر الناس وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما) . أخرجه الخرائطي (ص 39) قال: حدثنا نصر بن داود الصاغاني: حدثنا أبو الربيع الزهراني: حدثنا إسماعيل بن زكريا عن أبي رجاء عن برد بن سنان عن مكحول عن واثلة بن الأسقع عن أبي هريرة.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات معروفون. وأبو رجاء اسمه محرز بن عبد الله الجزري قال أبو داود: ثقة. وكذا وثقه أبو حاتم وذكره ابن حبان في"الثقات"وقال:"كان يدلس عن مكحول يعتبر بحديثه ما بين فيه السماع عن مكحول وغيره."
قلت: وهذا الحديث إنما رواه عن مكحول بواسطة برد بن سنان فزالت بذلك مظنة تدليسه عنه لكن الذهبي قال في"الكنى"من"الميزان"ما نصه:"أبو رجاء الجزري عن فرات بن السائب، وعنه عبدة بن سليمان وإسماعيل بن زكريا يقال اسمه محرز، قال ابن حبان روى عن فرات وأهل الجزيرة المناكير الكثيرة التي لا يتابع عليها لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد، فمن ذلك عن فرات عن ميمون عن ابن عمر مرفوعا: ما صبر أهل البيت على ضر ثلاثا إلا أتاهم الله برزق". فيظهر أن ابن حبان تناقض في هذا الرجل فمرة أورده في"الثقات"وأخرى في كتابه"الضعفاء". ولعل منشأ تلك المناكير من الذين دلسهم وليست منه نفسه، فإنه ثقة كما سبق، والله أعلم. والحديث أخرجه أبو نعيم في"الحلية" (10/ 365) و"أخبار أصبهان" (2/ 302) والبيهقي في"الزهد" (ق 99/ 2) من طريق أخرى عن أبي رجاء به وزاد:"وأقل الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب".
ولهذه الزيادة طريق ثالثة عن أبي هريرة مضى برقم (506) . ولها شاهد يرويه إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني حدثني أبي عن جدي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر قال:"دخلت المسجد، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم"
جالس وحده، فجلست إليه فقال: يا أبا ذر! إن للمسجد تحية وإن تحيته ركعتان .... ". وهو حديث طويل جدا، فيه أسئلة كثيرة من أبي ذر مع جواب النبي صلى الله عليه وسلم عليها. أخرجه ابن حبان (94) وأبو نعيم في"الحلية" (1/ 166 - 168) . لكن إسناده واه جدا إبراهيم هذا متروك."
ولبعض الحديث شاهد آخر بلفظ:"يا أبا الدرداء أحسن جوار من جاورك تكن مؤمنا وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما وارض بما قسم الله تكن من أغنى الناس". أخرجه الخرائطي (ص 41) عن عبد المنعم بن بشير حدثنا أبو مودود عبد العزيز بن أبي سليمان الهذلي عن محمد بن كعب القرظي عن أبي الدرداء مرفوعا به. وهذا إسناد ضعيف من أجل عبد المنعم بل اتهمه ابن معين، وسائر رجاله ثقات.
وبالجملة فالحديث بهذه الطرق حسن على أقل الأحوال ولعله لذلك قال الدارقطني على ما في"تخريج الإحياء" (2/ 160) :"والحديث ثابت". والله أعلم.
• قلت: قوله: «ولعله لذلك قال الدارقطني على ما في"تخريج الإحياء" (2/ 160) :"والحديث ثابت".
وهم فقد ضعفه الدارقطني، فقد ذكره في"العلل" (3/ 413/ 1339) : وسئل عن حديث واثلة بن الأسقع، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: كن ورعا تكن أعبد الناس، وكن قنعا تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما، وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.
فقال: يرويه أبو رجاء محرز بن عبد الله الخراساني، وقيل الجزري، واختلف عنه؛
فرواه إسماعيل بن زكريا، عن أبي رجاء، عن برد بن سنان، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي هريرة.
وتابعه المحاربي، عن أبي رجاء، واختلف عن المحاربي، فرواه الأحمسي، وأبو السكين زكريا بن يحيى الطائي، عن المحاربي، عن أبي رجاء، عن برد، عن مكحول، عن واثلة، عن أبي هريرة.
ورواه هناد بن السري، عن المحاربي، فأسقط من الإسناد مكحولا.
وكذلك رواه أبو معاوية الضرير، عن أبي رجاء، عن برد، عن واثلة، عن أبي هريرة. وقال مجاهد بن موسى عن أبي معاوية، عن محمد بن راشد، عن برد، عن مكحول، عن واثلة، عن أبي هريرة.
وليس هذا القول بمحفوظ، والحديث غير ثابت.
قال أبو حاتم الرازي: «المراسيل» (789 و 800 و 802) : سألت أبا مسهر: هل سمع مكحول من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما صح عندنا إلا أنس بن مالك. قلت: واثلة؟ فأنكره.
وقال أبو حاتم الرازي: مكحول لم يسمع من واثلة، دخل عليه.
وقال أبو حاتم: لم يسمع مكحول من واثلة بن الأسقع، ولا من أبي ذر.
وله عن أبي هريرة طريق حسن مختصر:
أخرجه البخاري في"الأدب المفرد" (253) , وابن ماجه (4193) عن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنَيْن عن أبي هريرة مرفوعا"لا تكثروا الضحك، فإنّ كثرة الضحك تميت القلب"
قال البوصيري في مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (4/ 233) : هذا إسناد صحيح