بطلانه بأوائل العقول، فإنا نفرض القول في الدورة التي نحن فيها ونقول: من أصل الملحدة، أنه انقضى قبل الدورة التي نحن فيها دورات لا نهاية لها، وما انتفت [1] عنه النهاية يستحيل أن يتصرم بالواحد على إثر الواحد؛ فإذا انصرمت الدورة [2] التي قبل هذه الدورات، أذن انقضاؤها وانتهاؤها بتناهيها، وهذا القدر كافٍ في غرضنا.
فإن قيل: مقام أهل الجنان مؤبد مسرمد، فإذا لم يبعد إثبات حوادث لا آخر لها، لم يبعد إثبات حوادث لا أول لها، قلنا: المستحيل أن يدخل في الوجود ما لا يتناهى آحادًا على التوالي، وليس في توقع الوجد الوجود في الاستقبال والمآل قضاء بوجود ما لا يتناهى، ويستحيل أن يدخل في الوجود من مقدورات الباري تعالى ما لا يحصره عدد ولا يحصيه أمد. والذي يحقق ذلك أن حقيقة الحادث ماله أول، وإثبات الحوادث مع نفى الأولية تناقض، وليس من حقيقة الحادث أن يكون له آخر [3] .
وضرب المحصلون مثالين في الوجهين، فقالوا: مثال إثبات حوادث لا أول لها [4] ، قول القائل لمن يخاطبه: لا أعطيك درهمًا إلا
وأعطيك قبله دينارًا، ولا أعطيك دينارًا إلا وأعطيك قبله درهما، فلا يتصور أن يعطى على حكم شرطه دينارًا ولا درهمًا.
ومثال ما ألزمونا، أن يقول القائل: لا أعطيك دينارًا إلا وأعطيك بعده درهما، ولا أعطيك درهما إلا وأعطيك بعده دينارًا، فيتصور منه أن يجرى على حكم الشرط.
فإذا ثبت بما ذكرناه [5] ، الأعراض وحوثها، واستحالة تعرى الجواهر عنها، واستنادها إلى أول، فيخرج من مضمون هذه الأصول أن الجواهر لا تسبقها، وما لا يسبق الحوادث حادث على الاضطرار من غير حاجة إلى نظر واعتبار.
وهذه اللمع كافية في إثبات حدث الجواهر والأعراض، ونحن بعد ذلك نوضح الطريق الموصل إلى العلم بالصانع، وبالله التوفيق.@
(1) ل: انتهت، والعبارة المذكورة عن ح، م
(2) م نقص: الدورة
(3) ل عبارة: وليس من حقيقة الحادث ماله آخر والعبارة التي أثبتناها عن ح، م
(4) ح، م زادت: قبل كل حادث.
(5) م: بما ذكرنا.