خلّى المخاوف عريّ من المتالف، والثاني يشتمل على المعاطب واللصوص وضوارى السباع، ولا غرض له في السبيل المخوف، فالعقل يقضي بسلوك السبيل المأمون.
وهذا الذي ذكره، اقتصار منهم على شطر نظر لو أنهوه نهايته لبلّغهم الحق. وذلك إن خطر له ما قالوه، فيعارضه خاطر آخر يناقضه؛ وذلك أن يخطر للعاقل أنه عبد مملوك مخترع مربوب، وأنه ليس للمملوك إلا ما أذن له فيه مالكه، ولو أتعب نفسه وأنصبها لصارت مكدودة مجهودة من غير إذن بها. وقد يعتضد هذا الخاطر عنده بأن الرب المنعم غنيّ عن شكر الشكرين، متعال عن الاحتياج؛ وأنه عز وجل كما يبتدئ بالنعم قبل استحقاقها، لا يبغى بدلا عليها. فإذا عارض هذا الخاطر ما ذكره [1] قضى العقل بتوقف من خطر له الخاطران.
ومما يؤكد ما قلناه، أن الملك المعظم إذا منح عبدا من عبده بكسرة من رغيف [2] ثم أراد ذلك العبد أن يتدرج في المشارق والمغارب ويثني على الملك بحبائه وحسن عطائه وينص على إنعامه، فلا يعد ذلك مستحسنًا؛ فإن ما صدر من الملك بالإضافة إلى قدره، نزر مستحقر تافه مستصغر، @
(1) ح، ل عبارته: فإذا عرض هذا الخاطر ما ذكرناه؛ والمثبت عن م
(2) ح، م عبارتهما: بكسرة خبر من رغيف