فهرس الكتاب

الصفحة 479 من 528

من المعلوم أن للمؤلف أهمية كبرى في الثقافات القديمة العربية والغربية منها على السواء. فقد ركز النظر النقدي منذ عهد الإغريق على المؤلف والإبداع (النص) على حد سواء، دون أن يولي اهتماما حقيقيا لدور المتلقي في فهم النص، وتلقي رسالة المبدع، على الرغم من اهتمام النقد اليوناني بوظيفة الإبداع، وأثرها على القارئ أو المتلقي، من خلال نظرية المحاكاة عند أفلاطون وأرسطو، وأثرهما أيضا من الناحية الخلقية على التهذيب أو التعليم أو التطهير. بيد أن الاهتمام لم يتعد ذلك إلى مشاركة القارئ في قراءة النص أو شرحه أو تفسيره. ويذهب رولان بارت إلى أن"المؤلف شخصية حديثة النشأة. وهي من دون شك وليدة المجتمع الغربي. فقد تنبه الغرب إلى قيمة الفرد أو الشخص البشري منذ نهاية القرون الوسطى، وكذلك مع ظهور العقلانية الفرنسية، وانبثاق النزعة التجريبية الإنجليزية، وانتشار الإيمان الفردي الذي واكب حركة الإصلاح الديني. كما أولت الرأسمالية الغربية أهمية قصوى لشخصية المؤلف" [1]

وهكذا، فقد أولت النزعة الإنسية الأوربية المؤلف منذ عصر النهضة اهتماما كبيرا. ويعزى ذلك إلى عدة عوامل ذاتية وموضوعية، تتمثل في ظهور الكلاسيكية التي تمجد الإنسان المتخلق، والرومانسية التي تجعل من الفرد محورا لها، بالإضافة إلى ظهور البورجوازية التي أعطت أهمية قصوى للفرد المنتج والمبدع، والنظرية اللاتوجيهية في مجال التربية التي نادت بحرية المتعلم في التعلم والاشتراك والخلق، فضلا عن مبادئ حقوق الإنسان التي عبرت عنها الثورة الفرنسية، وهي تمجد الفرد أخوة ومساواة وعدالة.

هذا، وقد رفضت الخطابات الأدبية والعلمية والنقدية في أوربا الاستغناء عن المؤلف بأي شكل من الأشكال؛ نظرا للدور الهام الذي يقوم به في عملية إثبات الانتماء، وتأكيد الهوية، وإضفاء الانتساب الجينيالوجي الحقيقي للإبداع أو العمل

(1) - رولان بارت: درس السيميولوجيا، ص:83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت