توجد دائما علاقات حوارية. أي: إن هذه العناصر جرى وضع بعضها في مواجهة البعض الآخر، مثلما يحدث عند المزج بين مختلف الألحان في عمل موسيقي. حقا إن العلاقات الحوارية هي ظاهرة أكثر انتشارا بكثير من العلاقات بين الردود الخاصة بالحوار الذي يجري التعبير عنه خلال التكوين، إنها ظاهرة شاملة تقريبا، تتخلل كل الحديث البشري وكل علاقات وظواهر الحياة الإنسانية، تتخلل تقريبا كل ماله فكرة ومعنى." [1] "
وهكذا، تنبني الرواية البوليفونية على تعدد المنظورات السردية ووجهات النظر (الرؤية من الخلف- الرؤية الداخلية - الرؤية من الخارج) ، بالإضافة إلى تعدد الضمائر السردية (ضمير المتكلم- ضمير المخاطب- ضمير الغائب) ، وتعدد الرواة والسراد الذين يعبرون عن اختلاف المواقف الفكرية، وتعدد المواقف الإيديولوجية، واختلاف وجهات النظر تواصلا وتبليغا واقتناعا. بمعنى أن كل قصة نووية يسردها سراد مختلفون، كل سارد له رؤيته الخاصة إلى زاوية الموضوع. أي: يعطي المؤلف للشخوص الحرية والديمقراطية في التعبير عن وجهات نظرها، دون تدخل سافر من المؤلف لترجيح موقف على حساب موقف آخر، بل يترك كل شخص يدلي برأيه بكل صراحة وشفافية، فيعلن منظوره تجاه الحدث والموقف بكل صدق وإخلاص، ثم يعبر عن نظره وإيديولوجيته بكل مصداقية، دون زيف أو مواربة أو تغيير لكلامه. كأن تعبر شخصية ما عن رؤيتها الإسلامية، وتعبر شخصية أخرى عن رؤيتها الاشتراكية، وشخصية ثالثة عن الرؤية الشيوعية، وشخصية رابعة عن رؤية أرستقراطية، هكذا دواليك. لكن للقارئ الحق الكامل في اختيار الرؤية التي يراها مقنعة ووجيهة، دون أن يفرض عليه الكاتب أو المؤلف أو السارد المطلق رؤية معينة، عبر مجموعة من الآليات
(1) - ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ص:59.