وعليه، فقد قوض جاك دريدا فلسفة الدال الصوتي الذي هيمن لسانيا على الثقافة الغربية لقرون عدة، منذ أفلاطون إلى فرديناند دي سوسير، ليعوض بالدال الكتابي، وآثاره الباقية، وأطراسه الناسخة. ويعني هذا كله أن فلسفة الدال التي هيمنت على ثقافة الغرب كانت بمثابة ميتافيزيقا مثالية ليس إلا. ومن هنا، يشكل الصوت الحضور والوجود والكينونة الأنطولوجية. أي: رمز تواجد الجسد، وحضور المتكلمين في الزمان والمكان، وعلامة على حضور الوظيفة التواصلية، والمقصدية التداولية، وتعبير عن الوعي والتفكير والروح. وبتعبير آخر، الصوت إشارة إلى حضور الذات، والغير، والمادة، والمعنى، والوعي. بينما الكتابة ليست أداة للتعبير عن الفكر، لكنها علامة العلامة، ويتموقع خارج الكلام الحي المرتبط بالمتكلم والسامع. علاوة على ذلك، فقد قوض جاك دريدا الصوت والدال الكلامي، وأعطى الأسبقية للكتابة على الصوت. إنها مقاربة منطقية جديدة للإضافة. ومن ثم، تحيل الكتابة على مؤسسة، ونظام مستمر الذي يعد شبكة من الاختلافات. وبهذا، يكون المدلول جماع مجموعة من الاختلافات، وهلم جرا. بمعنى ليس هناك مدلول واحد، بل مدلولات متعددة ومختلفة. أي: ليست هناك دلالة أحادية، بل هناك اختلافات الاختلافات، وآثار الكتابة، وبصماتها الباقية.
وللتوضيح أكثر، فإذا كان دوسوسير يرى أن العلامة مكونة من الدال والمدلول، وليس هناك سوى مدلول واحد متفق عليه، فإن جاك دريدا يرى أن هذا المدلول ليس واحدا، بل هو مدلول متعدد ومختلف ومتناقض. وهكذا، تحيل كلمة الماء على معان متعددة ولامتناهية ما يعطي الحيوية للدال، فالماء قد يعني كأس ماء، أو قطرات من الماء، أو المطر، أو البحر، أو البحيرة ... ويعني هذا وجود دلالات غير محددة ومختلفة. بمعنى أن ليس هناك مركزية ولابداية، وتؤدي كل علامة إلى علامة أخرى في شكل سلسلة لامتناهية من الاختلافات المتضادة والمتناقضة مع نفسها، وعلامة العلامة هي الكتابة. ومن ثم، يعلن ديريدا غياب الأصل والجذر