الأول الذي يطلع على أسرار الكتابة وصناعتها، فناسخ كتابات طه حسين - مثلا- يعرف كيف كان يملي طه حسين، ومن المعلوم أن ثقافة الناسخ كانت منتشرة بكثرة في الثقافة العربية، فقد كان الحريري والجاحظ ناسخين للكتب بامتياز. ومن ثم، يعد الناسخ القارئ الأول للمخطوط قبل القارئ الحقيقي.
ومن جانب آخر، يمكن الحديث عن سيميوطيقا المخطوطات والمسودات التي تدرس الفضاء البصري للكتابة، وعلامات الترقيم، وتنظيم الصفحة، وتوزيع الكتابة أفقيا وعموديا، والتحكم في ثنائية البياض والسواد، وثنائية الامتلاء والفراغ، ومعرفة كيف تتربع الحروف على الصفحة، وتتشكل العلامات الكتابية والبصرية، ومعرفة أنواع الخطوط والأسطر والفراغات الموجودة بينها، وكيف تتم عملية النسخ، وتتوزع الصفحة، وتتشكل هندستها. ويعني هذا أن ثمة غنى سيميوطيقيا في هذا المجال. ومن يتصفح أعمال فيكتور هيجو، وإميل زولا، وكافكا، وميشو، وستاندال، وفاليري ودويستفسكي، وبوشكين، وأنطونان أرطو ... فسيجدها مليئة بالصور والأيقونات والأشكال البصرية تهيمن على فضاء الصفحة كتابة وتصويرا وتشكيلا.
ويلاحظ أن كثيرا من الشعراء والكتاب يرتجلون أعمالهم، فكثير من الأدباء قد جربوا الخاصية الشفوية قبل الكتابة، كما كان يفعل فلوبير (Flaubert) وبيير كيوتا (Pierre Guyotat) ، بل كان زهير بن أبي سلمى من قبل ينقح قصائده شفويا ويثقفها، فيعرضها على شعراء عصره ونقاده، وكان زهير يتأخر في نشرها وإذاعتها، حتى سميت قصائده الشعرية بالحوليات.
ومن جهة أخرى، يمكن الحديث - اليوم - عن المخطوط الرقمي الإلكتروني الذي يتعرض بدوره لعمليات التفاعل والترابط النصي، كما يستفيد من عمليات التصحيح والتعديل والتشطيب، وإن كان الحاسوب لايترك آثارا للكتابة مثل المخطوط الورقي. فالحاسوب يصحح كل شيء، ويقدم نسخا جاهزة ومعدلة