وغالبا، ما يلاحظ أن الكاتب يتخلى عن مقاطع مهمة أو يحذف شذرات أو فقرات أوأبيات أو مقاطع أو حوارات، وهي مهمة في العملية الإبداعية لسبب من الأسباب، قد تكون سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو فنية أو دينية أو أخلاقية، وهذه النصوص الأولى تبين لنا رؤية الكاتب الحقيقية، مع تبيان الخلفيات التي جعلته يتراجع عنها في النسخة الأولى، ويراجعها في النسخ الأخرى. ومن ثم، يهتم النقد التكويني بالأنساق المضمرة والمحذوفة وغير المعلنة أثناء مرحلة التسويد أو التخطيط أو الكتابة، قبل أن يتسلمه الجمهور مطبوعا ومنشورا وموزعا.
وعليه، يهتم النقد الجيني أو التكويني بالجذور أو البدايات الأولى للتكون النصي وتوالده وتناسله. أي: يعود إلى الرحم الأول لعملية الكتابة. وبتعبير آخر، يتتبع النقد التوليدي المخطوط من عملية انبثاقه إلى مرحلة الانتهاء منه استعدادا لتقديمه إلى الطبع والنشر. وبين البداية والنهاية مجموعة من المراحل يقوم بها الكاتب هي: التفكير تأملا وإدراكا، وإحضار أدوات الكتابة، والاستعداد للكتابة، والتسويد، والتحرير، والتنظيم، وتصحيح الأخطاء، وتوثيق النص، ونقل المعلومات الموثقة من الكراسات إلى المخطوط، وتوظيف الاستشهادات والمقتبسات داخل المخطوط، وحذف بعض الكلمات أو الجمل أو الفقرات أو المقاطع أو المتواليات أو النصوص إما إضمارا واقتضابا، وإما خوفا من الضغوطات الخارجية، وإما اتقاء من طابوهاتها المتنوعة، فيلتجئ الكاتب - إذًا- إلى الحذف والإخفاء والإلغاء خشية من ردود الأفعال القوية والعنيفة من القارئ الخارجي.
إذًا، يركز النقد التكويني على المخطوطة الأولى والمسودة الأولى، ويهتم بدراسة المصادر والمراجع التي انطلق منها المؤلف في تصنيف كتابه تناصا ومناصا وأسلوبا؛ لأن الكاتب هو الأسلوب نفسه كما قال بوفون، وذلك كله من أجل تحليل العلاقة الموجودة بين النص والمصدر نظرا للعلاقة الجدلية الموجودة بينهما. كما