فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 528

ويذهب ستيفن جرينبلات (Stephen Greenblatt) كذلك، في كتابه (الصدى والأعجوبة) (1990 م) ، إلى أن"التاريخانية الجديدة، كما أفهمها، لاتفترض العمليات التاريخية على أنها غير قابلة للتغييروعنيدة، ولكنها لاتميل إلى اكتشاف حدود أو قيود مفروضة على التدخل الفردي ..." [1]

وعليه، يمثل الأدب في مفهوم التاريخانية الجديدة الحقبة التاريخية التي يعيش فيها الكاتب. كما يعكس سياق العصر التاريخي محاكاة وتمثلا وتماثلا وتخييلا. ومن ثم، يعيش الكاتب أو المبدع عصره، فيصهره في إنتاجه تمثلا وامتصاصا وتناصا، بعد أن يستضمره لاشعوريا في مخيلته.

وإذا كانت التاريخانية القديمة قراءة ذاتية وإيديولوجية للأحداث التاريخية، وقراءة غير بريئة، ومقاربة شخصية في خدمة الإيديولوجيا السائدة، حيث تعمل على نشر الوعي الزائف، وترويج التفكير المغلوط، والعمل على تسييد الأبيض، وتهميش الأسود، والإشادة بالمؤسسات الثقافية والسياسية الحاكمة، والاهتمام بالبطولات الفردية للشخصيات الكاريزمية والملحمية، في إطار مجموعة من المرويات والخطابات السردية التي كانت تتسم بالمبالغة والخيال والكذب والهراء، فإن التاريخانية الجديدة هي قراءة علمية موضوعية إلى حد ما، تمتح آلياتها المنهجية ومعطياتها الاستقرائية والاستنباطية من التاريخ، والسياسة، والأنتروبولوجيا، والفلسفة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الثقافة ... وترتكز على استكشاف الأنساق التاريخية والثقافية المضمرة، بغية تفكيكها وتقويضها، وتعرية خطابات المؤسسات الحاكمة والمراكز المهيمنة تشتيتا وتأجيلا.

هذا، وتحاول التاريخانية الجديدة دراسة النص الأدبي، لا باعتباره وثيقة تاريخية، بل تدرسه على أنه بنية جمالية وشكلية تتضمن بنى تاريخية وثقافية لاشعورية، يمكن استكشافها وتحليلها تحليلا علميا مبنيا على التفكيك والتركيب، مستعملة

(1) - ديفيد كارتر: نفسه، ص:148 - 149.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت