فهرس الكتاب

الصفحة 6109 من 10239

مُنْذِر بنُ سَعِيْدٍ البَلُّوطِيّ 1:

أَبُو الحَكَمِ الأَنْدَلُسِيُّ, قاضي الجماعة, يُنسَبُ إِلَى قبيلَةٍ يُقَال لَهَا: كُزْنَة, وَهُوَ مِنْ مَوْضِعٍ قريبٍ مِنْ قُرْطُبَةَ يُقَال لَهُ: فحص البلوط.

كَانَ فَقِيْهًا محقِّقًا, وَخطيبًا بَلِيْغًا مفوَّهًا، لَهُ اليَوْمُ المَشْهُوْرُ الَّذِي ملأَ فِيْهِ الآذَانَ، وَبَهَرَ العُقولَ, وَذَلِكَ أَنَّ المُسْتَنصرَ بِاللهِ كَانَ مشغُوفًا بَأَبِي عليٍّ القَالِيِّ, يُؤَهِّلُهُ لِكُلِّ مُهِمٍّ, فَلَمَّا وَرَدَ رَسُوْلُ الرُّوْمِ أَمَرَهُ أَنْ يقومَ خَطِيْبًا عَلَى العَادَةِ الجَارِيَةِ, فَلَمَّا شَاهدَ أَبُو عَلِيٍّ الجمعَ العظيمَ جَبُنَ فَلَمْ تَحْمِلْهُ رِجْلاَهُ, وَلاَ سَاعَدَهُ لسَانُهُ, وَفطِنَ لَهُ مُنذرُ بنُ سَعِيْدٍ, فَوَثَبَ فِي الحَالِ، وَقَامَ مقَامَهُ, وَارتَجَلَ خطبَةً بَدِيْعَةً, فَأَبهَتَ الخَلْقَ، وَأَنشدَ فِي آخِرِهَا لِنَفْسِهِ:

هَذَا المَقَالُ الَّذِي مَا عَابَهُ فَنَدُ ... لكنَّ صَاحِبَهُ أَزْرَى بِهِ البَلَدُ

لَوْ كُنْتُ فِيهِمْ غَرِيبًا كُنْتُ مُطّرفًا ... لكنَّني مِنْهُمُ فَاغتَالَنِي النَّكد

لَوْلاَ الخِلاَفَةُ أَبقَى اللهُ بَهَجْتَهَا ... مَا كُنْتُ أَبقَى بِأَرضٍ مَا بِهَا أَحَدُ

فَاستَحْسَنُوا ذَلِكَ, وصلَّب الرَّسُولُ، وَقَالَ: هَذَا كبشُ رِجَالِ الدَّوْلَةِ.

وَمِنْ تَصَانِيْفِهِ: كِتَابُ"الإِنْبَاهِ عَنِ الأَحْكَامِ مِنْ كِتَابِ اللهِ"، وَكِتَابُ"الإِباَنَةِ عَنْ حَقَائِقِ أُصولِ الدِّيَانَةِ".

قَالَ ابْنُ بشكوَالٍ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: مُنذرُ بنُ سَعِيْدٍ خطيبٌ بَلِيْغٌ مصقَع2, لَمْ يَكُنْ بِالأَنْدَلُسِ أَخطبَ مِنْهُ, مَعَ العِلْمِ البَارعِ, وَالمعرفَةِ الكَامِلَةِ, وَاليَقِينِ فِي العلومِ وَالدِّينِ, وَالوَرَعِ, وَكَثْرَةِ الصِّيَامِ، وَالتَّهجُّدِ, وَالصَّدْعِ بِالْحَقِّ, كَانَ لاَ تَأَخُذُهُ فِي اللهِ لومَةُ لاَئِمٍ, وَقَدِ اسْتَسْقَى غَيْرَ مَرَّةٍ فسُقِيَ.

ذَكَرَ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ الحَكَمَ فقال: كان فقيهًا فصيحًا خطيبًا, لم يُسمعْ بِالأَنْدَلُسِ أَخطبُ مِنْهُ، وَكَانَ أَعلمَ النَّاسِ بِاخْتِلاَفِ العُلَمَاءِ, شَاعِرًا لبيبًا أَدِيبًا, لَهُ تَصَانِيْف حسَانٌ جِدًّا، وَكَانَ مَذهَبُهُ النَّظَرَ وَالجَدَلَ, يَمِيلُ إِلَى مَذْهَبِ دَاوُدَ بنِ عَلِيٍّ.

وَذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بنُ حَارثٍ القَرَوِيِّ فَقَالَ: كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّفَاذِ وَالتَّحْصِيْلِ, مُتدرِّبًا للمنَاظرَةِ, مُتخلِّقًا بِالإِنصَافِ, جَيِّدَ الفَهْمِ, طَوِيْلَ العِلْمِ, بَلِيْغًا مُوجزًا, يَمِيْلُ إِلَى طُرُقِ الفضَائِلِ وَيُوَالِي أَهلَهَا، وَيلهَجُ بِأَخْبَارِ الصَّالِحِيْنَ.

حَجَّ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلاَثِ مائَةٍ, فَأَقَامَ فِي رِحْلَتِهِ أَرْبَعينَ شهرًا، وَانْصَرَفَ, فَأَدْخَلَ الأَنْدَلُسَ مِنْ عِلمِ النَّظَرِ، وَمِنْ عِلمِ اللُّغَةِ كُتُبًا كَثِيْرَةً, وَامتَحَنَهُ النَّاصرُ بِغَيْرِ مَا أَمَانَةٍ، وَأَخرجَهُ رسولًا إلى

1 ترجمته في معجم الأدباء لياقوت الحموي"19/ 174"، واللباب لابن الأثير"1/ 176"، والعبر"2/ 302"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي"3/ 17".

2 الخطيب المصقع: هو البليغ الماهر في خطبته. وهو مِفْعَلٌ من الصقع, رفع الصوت ومتابعته، ومفعل من أبنية المبالغة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت