فهرس الكتاب

الصفحة 5282 من 10239

وَكَانَ حَسَنَ المَذْهَب، عَفِيْفًا، مُتثبتًا.

وَلِي قَضَاء الدِّيَار المِصْرِيَّة سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِيْنَ وَمائَتَيْنِ، وَكَانَ شَافِعِيًّا، وَوَلِيَ قَضَاءَ دِمَشْق. وَقَدْ كَانَ قَامَ مَعَ الملكِ أَحْمَدَ بنِ طُولُوْنَ، وَخلعَ مِنَ الْعَهْد أَبَا أَحْمَدَ المُوَفَّق لِكَوْنِهِ نَافسَ المعتمدَ أَخَاهُ، فَقَامَ أَبُو زُرْعَةَ عِنْد المِنْبَر بِدِمَشْقَ قَبْل الجُمعَة، وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاس! أُشْهِدكُم أَنِّي قد خلعت أبا أحمق كَمَا يُخلعُ الخَاتمُ مِنَ الأُصبع، فَالْعَنُوهُ.

ثمَّ تمَّت ملحمَةٌ بِالرَّملَة، بَيْنَ الْملك خُمَارَوَيْه بنِ أَحْمَدَ بنِ طُولُوْنَ، وَبَيْنَ ابْن المُوَفَّق، فَانتصرَ فِيْهَا أَحْمَدُ بنُ المُوَفَّق الَّذِي وَلِيَ الخِلاَفَة، وَلقِّبَ بِالمُعتضِد، فَلَمَّا انتصرَ دَخَلَ دِمَشْق، وَأَخَذَ هَذَا، وَيَزِيْدَ بنَ عَبْدِ الصَّمَدِ، وَأَبَا زُرْعَةَ النَّصرِيَّ الحَافِظ فِي الْقُيُود، ثُمَّ اسْتحضَرَهُم فِي الطَّرِيْق وَقَالَ: أَيُّكُم القَائِل: قَدْ نزعتُ أَبَا أَحمق؟ قَالَ: فَرَبَتْ أَلسِنَتُنَا، وَأَيِسْنَا مِنَ الحَيَاة. قَالَ الحَافِظُ: فَأُبْلِسْت، وَأَمَّا يَزِيْدُ فَخرِسَ وَكَانَ تَمْتَامًا. وَكَانَ ابْنُ عُثْمَانَ أَصْغَرنَا، فَقَالَ: أَصْلَحَ اللهُ الأَمِيْر. فَقَالَ كَاتِبهُ: قِفْ حَتَّى يَتَكَلَّم أَكْبَرُ مِنْكَ. فَقُلْتُ: أَصلحكَ الله وَهُوَ يَتَكَلَّم عَنَّا. قَالَ: قل. فَقَالَ: وَاللهِ مَا فِيْنَا هَاشِمِيٌّ صَرِيح، وَلاَ قُرَشِيٌّ صَحِيْح، وَلاَ عربِيٌّ فَصيح، وَلكنَّا قَوْمٌ مُلِكنَا -أَي قُهِرْنَا. وَرَوَى أحاديث في"السمع و"الطاعة، وَأَحَادِيْثَ فِي العَفْو وَالإِحسَان. وَهُوَ كَانَ المُتَكَلِّمَ بِتِيْكَ اللَّفْظَة. وَقَالَ: وَإِنِّيْ أُشهدُ الأَمِيْرَ أَنَّ نِسَائِي طوَالق، وَعَبِيْدِي أَحرَار، وَمَالِي حرَامٌ إِنْ كان في هؤلاء القوم أحد قال هذه الكَلِمَة، فورَاءَنَا حُرَمٌ وَعِيَال، وَقَدْ تسَامعَ الخَلقُ بهلاكنا، وقد قدرت، وإنما العفو بعد المقدرة. فَقَالَ لكَاتِبه: أَطْلِقْهُم، لاَ كثَّر اللهُ مِنْهُم. قَالَ: فَاشْتَغَلتُ أَنَا وَيَزِيْدُ فِي نُزَهِ أَنطَاكيَة عِنْد عُثْمَان بنِ خُرَّزَاذ، وَسبقَ هُوَ إِلَى حِمْصَ.

قَالَ ابْنُ زُوْلاَق فِي"تَارِيْخ قضَاة مِصْر": وَلِيَ أَبُو زُرْعَةَ، وَكَانَ يُوَالِي عَلَى مَذْهَب الشَّافِعِيِّ وَيصَانعُ عَلَيْهِ، وَكَانَ عَفِيْفًا، شَدِيد التَّوقُّف فِي إِنفَاذ الأَحْكَام، وَلَهُ مَالٌ كَثِيْر، وضيَاعٌ كِبَارٌ بِالشَّامِ، وَاختلف فِي أَمره، فَقِيْلَ: إِنَّهُ كَانَ فِي عهد الْملك هَارُوْنَ بن خُمَارَوَيْه -مُتَوَلِّي مِصْر: إِنَّ القَضَاءَ إِلَى أَبِي زُرْعَة، فولاَهُ القَضَاء. وَقِيْلَ: إِنَّ المُعْتَضِدَ نفذ لَهُ عهدًا.

قَالَ: وَكَانَ أَبُو زُرْعَةَ يَرقِي مِنْ وَجع الضِّرس، وَيُعْطِي الموجوعَ حَشِيْشَةً توضَع عَلَيْهِ فَيَسْكُن.

وَكَانَ يُوفِي عَنِ الغُرَمَاء الضَّعفَى.

وَسَمِعْتُ الفَقِيْهَ مُحَمَّدَ بنَ أَحْمَدَ بنِ الحَدَّاد يَقُوْلُ سَمِعْتُ مَنْصُوْرًا الفَقِيْه يَقُوْلُ: كُنْتُ عِنْدَ القَاضِي أَبِي زُرْعَةَ، فَذَكَرَ الخُلَفَاء، فَقُلْتُ: أَيجوزُ أَنْ يَكُوْنَ السَّفيهُ وَكيلًا؟ قَالَ: لاَ. قُلْتُ: فولِيًّا لاَمرأَة؟ قَالَ: لاَ. قُلْتُ: فَخَلِيْفَة؟ قَالَ: يَا أَبَا الحَسَنِ! هَذِهِ مِنْ مَسَائِل الخَوَارِج.

وَكَانَ أَبُو زُرْعَةَ شرَطَ لِمَنْ حفظ"مُخْتَصَر المُزَنِيّ"مائَة دِيْنَارٍ. وَهُوَ الَّذِي أَدخل مَذْهَب الشَّافِعِيِّ دِمَشْق، وَكَانَ الغَالِبَ عَلَيْهِ قَوْلُ الأَوْزَاعِيّ.

وَكَانَ مِنَ الأُكَلَة، يَأْكُل سَلَّ مِشْمِشٍ وَسلَّ تِيْنٍ.

بقِي عَلَى قَضَاء مِصْر ثَمَانَ سِنِيْنَ. فَصُرِفَ، وَرُدَّ إِلَى القَضَاء مُحَمَّد بن عَبْدَةَ.

قُلْتُ مَاتَ بِدِمَشْقَ، سَنَة اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِ مائَةٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت