فهرس الكتاب

الصفحة 1356 من 10239

سِوَاهُ وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّهُ مَاتَ بَيْنَ قَوْمٍ نَصَارَى وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ لأَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِيْنَ كَانُوا مُهَاجِرِيْنَ عِنْدَهُ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ مُهَاجِرِيْنَ إِلَى المَدِيْنَةِ عَامَ خَيْبَرَ.

ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثْتُ عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ بِحَدِيْثِ أَبِي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بِقِصَّةِ النَّجَاشِيِّ وَقَوْلِهِ لِعَمْرِو بنِ العَاصِ: فَوَاللهِ مَا أَخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِيْنَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي وَمَا أَطَاعَ النَّاسُ فِيَّ فَأُطِيْعُ النَّاسَ فِيْهِ فَقَالَ عُرْوَةُ: أَتَدْرِي مَا مَعْنَاهُ? قُلْتُ: لاَ قَالَ: إِنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْنِي أَنَّ أَبَاهُ كَانَ مَلِكَ قَوْمِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ إلَّا النَّجَاشِيُّ وَكَانَ لِلنَّجَاشِيِّ عَمٌّ لَهُ مِنْ صُلْبِهِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ مَمْلَكَةِ الحَبَشَةِ فَقَالَتِ الحَبَشَةُ بَيْنَهَا: لَوْ أَنَّا قَتَلْنَا أَبَا النَّجَاشِيِّ وَمَلَّكْنَا أَخَاهُ فَإِنَّهُ لاَ وَلَدَ لَهُ غَيْرَ هَذَا الغُلاَمِ وَإِنَّ لأَخِيْهِ اثْنَيْ عَشْرَةَ وَلَدًا فَتَوَارَثُوا مُلْكَهُ مِنْ بَعْدِهِ فَبَقِيَتِ الحَبَشَةُ بَعْدَهُ دَهْرًا. فَعَدَوْا عَلَى أَبِي النَّجَاشِيِّ فَقَتَلُوْهُ وَمَلَّكُوا أَخَاهُ فَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ وَنَشَأَ النَّجَاشِيُّ مَعَ عَمِّهِ وَكَانَ لَبِيْبًا حَازِمًا مِنَ الرِّجَالِ فَغَلَبَ عَلَى أَمْرِ عَمِّهِ وَنَزَلَ مِنْهُ بِكُلِّ مَنْزِلَةٍ فَلَمَّا رَأَتِ الحَبَشَةُ مَكَانَهُ مِنْهُ قَالَتْ بَيْنهَا: وَاللهِ إِنَّا لَنَتَخَوَّفُ أَنْ يَمْلِكَهُ وَلَئِنْ مَلَكَهُ عَلَيْنَا لَيَقْتُلُنَا أَجْمَعِيْنَ لَقَدْ عَرَفَ أَنَّا نحن قتلنا أباه فمشوا إلى عَمِّهِ فَقَالُوا لَهُ: إِمَّا أَنْ تَقْتُلَ هَذَا الفَتَى وَإِمَّا أَنْ تُخْرِجَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا فَإِنَّا قَدْ خِفْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا مِنْهُ قَالَ: وَيْلَكُم! قَتَلْتُمْ أَبَاهُ بِالأَمْسِ وَأَقْتُلُهُ اليَوْمَ بَلْ أَخْرِجُوْهُ مِنْ بِلاَدِكُم فَخَرَجُوا بِهِ فَبَاعُوْهُ مِنْ رجل تاجر بست مئة دِرْهَمٍ ثُمَّ قَذَفَهُ فِي سَفِيْنَةٍ فَانْطَلَقَ بِهِ حَتَّى إِذَا المَسَاءُ مِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ هَاجَتْ سَحَابَةٌ مِنْ سَحَابِ الخَرِيْفِ فَخَرَجَ عَمُّهُ يَسْتَمْطِرُ تَحْتَهَا فَأَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ فَقَتَلَتْهُ.

فَفَزِعَتِ الحَبَشَةُ إِلَى وَلَدِهِ فَإِذَا هُمْ حَمْقَى لَيْسَ فِي وَلَدِهِ خَيْرٌ فَمَرَجَ عَلَى الحَبَشَةِ أَمْرُهُم فَلَمَّا ضَاقَ عَلَيْهِم مَا هُمْ فِيْهِ مِنْ ذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ: تَعْلَمُوْنَ وَاللهِ أَنَّ مَلِكَكُمُ الَّذِي لاَ يُقِيْمُ أَمْرَكُمْ غَيْرُهُ الَّذِي بِعْتُمُوْهُ غُدْوَةً فَإِنْ كَانَ لَكُم بِأَمْرِ الحَبَشَةِ حَاجَةٌ فَأَدْرِكُوْهُ قَالَ: فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ حَتَّى أَدْرَكُوْهُ فَأَخَذُوْهُ من التاجر ثم جاءوا بِهِ فَعَقَدُوا عَلَيْهِ التَّاجَ وَأَقْعَدُوْهُ عَلَى سَرِيْرِ الملك وملكوه فجائهم التَّاجِرُ فَقَالَ: إِمَّا أَنْ تُعْطُوْنِي مَالِي وَإِمَّا أَنْ أُكَلِّمَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالُوا لاَ نُعْطِيْكَ شَيْئًا قَالَ: إِذَنْ وَاللهِ لأُكَلِّمَنَّهُ قَالُوا: فَدُوْنَكَ فَجَاءهُ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: أَيُّهَا المَلِكُ ابْتَعْتُ غُلاَمًا مِنْ قَوْمٍ بِالسُّوْقِ بِسِتِّ مَائَةِ دِرْهَمٍ فَأَسْلَمُوْهُ إِلَيَّ وَأَخَذُوا دَرَاهِمِي حَتَّى إِذَا سِرْتُ بِغُلاَمِي أَدْرَكُوْنِي فَأَخَذُوا غُلاَمِي وَمَنَعُوْنِي دَرَاهِمِي فَقَالَ لَهُمُ النَّجَاشِيُّ: لَتَعْطُنَّهُ دَرَاهِمَهُ أَوْ لَيُسَلَّمَنَّ غُلاَمَهُ فِي يَدَيْهِ فَلَيَذْهَبَنَّ بِهِ حَيْثُ يَشَاءُ قَالُوا: بَلْ نُعْطِيْهِ دَرَاهِمَهُ قَالَتْ: فَلِذَلِكَ يَقُوْلُ: مَا أَخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِيْنَ رَدَّ عليَّ مُلْكِي فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيْهِ. وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا خُبِرَ مِنْ صَلاَبَتِهِ فِي دِيْنِهِ وَعَدْلِهِ فِي حُكْمِهِ ثُمَّ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ لاَ يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُوْرٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت