وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْبَابِ فَكَانَ الشَّافِعِيُّ يُرَخِّصُ فِي حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ فِي الِاسْتِدَارَةِ، وَالتَّحَرُّفِ، وَالْمَشْيِ الْقَلِيلِ إِلَى الْعَدُوِّ إِزَاءَ الْمَقَامِ يَقُومُونَهُ، وَتَجْزِيهِمْ صَلَاتُهُمْ، وَيَجْزِيهِمْ أَنْ يَضْرِبَ أَحَدُهُمُ الضَّرْبَةَ بِسِلَاحِهِ وَيَطْعَنَ الطَّعْنَةَ، فَأَمَّا إِنْ تَابَعَ الضَّرْبَ أَوِ الطَّعْنَ، أَوْ طَعَنَ طَعْنَةً فَرَدَّدَهَا فِي الْمَطْعُونِ، أَوْ حَمَلَ مَا يَطُولُ فَلَا يَجْزِيهِ صَلَاتُهُ.
وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: إِنْ رَمَاهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِالنَّبْلِ وَالنُّشَّابِ قَطَعَ صَلَاتَهُ، قَالَ: لِأَنَّ هَذَا عَمَلٌ فِي الصَّلَاةِ يُفْسِدُهَا، وَالْمُسَايَفَةُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا الصَّلَاةَ.
وَقَالَ غَيْرُهُمَا: كُلُّ مَا فَعَلَهُ الْمُصَلِّي فِي حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ مِمَّا لَا يَقْعُدُ عَلَى غَيْرِهِ، فَالصَّلَاةُ مُجْزِيَةٌ قِيَاسًا عَلَى مَا وُضِعَ عَنْهُ مِنَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، لَعَلَّهُ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ مُطَارَدَةِ الْعَدُوِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ مَعَ مُوَافَقَتِهِ النَّظَرَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] الْآَيَةَ.
٢٣٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا الْأَزْرَاقِيُّ، ثنا دَاوُدُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعُ عَنِ ابْنُ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «صَلَاةُ الْخَوْفِ أَنْ تَقُومَ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَتَكُونُ طَائِفَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ فَيَسْجُدُوا سَجْدَةً وَاحِدَةً بِمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ الَّذِينَ سَجَدُوا سَجْدَةً وَاحِدَةً، فَيَكُونُونُ مَكَانَ أَصْحَابِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ، وَتَقُومُ الطَّائِفَةُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُصَلُّوا مَعَ الْإِمَامِ سَجْدَةً، ثُمَّ يَنْصَرِفُ الْإِمَامُ وَتُصَلِّي الطَّائِفَتَانِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِأَنْفُسِهِمْ سَجْدَةً، فَإِنْ كَانَ خَوْفًا