فَصَلَّى بِالنَّاسِ. فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ إِذْ أَوْمَأْتُ إِلَيْكَ أَنْ لَا تَكُونَ مَضَيْتَ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ يَكُنْ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَؤُمَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَقَالَ لِلنَّاسِ: «إِذَا نَابَكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ شَيْءٌ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلْتُصَفِّحِ النِّسَاءُ» .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَدُلُّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى وُجُوهٍ مِنَ السُّنَنِ، فَمِنْ ذَلِكَ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الرِّجَالَ عَنِ التَّصْفِيقِ فِي صَلَاتِهِمْ، وَعَلَى أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ لِلرِّجَالِ إِذَا نَابَهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ شَيْءٌ أَنْ يُسَبِّحُوا، وَتُصَفِّقَ النِّسَاءُ.
وَمِنْهَا إِسْقَاطُ الْإِعَادَةِ عَمَّنْ صَفَّقَ فِي الصَّلَاةِ، إِذْ لَمْ يَأْمُرْ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْإِعَادَةِ، وَهَذَا يُشْبِهُ ضَرْبَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ، وَلَمْ يَأْمُرْ أُولَئِكَ بِالْإِعَادَةِ.
وَمِنْهَا الرُّخْصَةُ فِي تَقَدُّمِ الْمُصَلِّي عَنْ مُصَلَّاهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجَعَ الْقَهْقَرَى، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِعَادَةُ صَلَاةٍ.
وَمِنْهَا إِبَاحَةُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ، وَالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَمَا يَرَى الْمَرْءُ مَا يَجِبُ أَنْ يَحْمَدَ اللهَ عَلَيْهِ، إِذْ مَوْجُودٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَقَفَ هُنَيْهَةً يَحْمَدُ اللهَ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
وَمِنْهَا الِاسْتِدْلَالُ بِأَنَّ الِالْتِفَاتَ لَا يُفْسِدُ صَلَاةَ الْمَرْءِ إِذَا لَمْ يَتَحَوَّلْ عَنِ الْقِبْلَةِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْأَخْبَارُ تَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَةِ الِالْتِفَاتِ إِلَّا عِنْدَ النَّازِلَةِ تَنْزِلُ، أَوْ عِنْدَ حَاجَةِ الْإِمَامِ إِلَى إِرْشَادِ الْمَأْمُومِينَ لِمَا يُصْلِحُهُمْ مِنْ أَمْرِ صَلَاتِهِمْ، وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضُوعِ.