فسؤال النبي صلى الله عليه وسلم له: هل كان فيها عيد، أو صنم من أصنام الجاهلية يدل على أن هذا هو علة الحكم لأنه لو لم يكن هذا هو العلة لكان الكلام لغوا ... وكلام الله ورسوله بعيد عن اللغو.
(و) أن يذكر في سياق الكلام شيء لو لم يعلل بهذا الشيء لكان الكلام غير منتظم كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} (الجمعة:9) .
فقوله تعالى: {وذروا البيع} لو لم يفسر على أنه هو المانع من السعي لكان ذكره لغوا، فتحريم البيع وقت الصلاة حكم شرعي لعلة هي الإشغال عن الصلاة .. ولذلك قاس العلماء على تحريم البيع وقت الصلاة كل ما يلهي عنها، ويحول بين المسلم وبينها مما لم يخصصه الشارع الحكيم كالسفر مثلا.
(ز) ذكر الحكم الشرعي مقرونا بوصف يناسب التعليل كقوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم} (الانفطار:13 - 14) أي لبرهم وفجورهم.
والخلاصة: أن النص الشرعي هو أول الطرق التي يجب على المجتهد أن يطرقها ليعرف العلة الشرعية التي أناط الشارع الحكم بوجودها.
تنقيح المناط:
البحث عن العلة عن طريق النص تسمى في عمومها تنقيح المناط، وذلك أن النص الشرعي قد يأتي بملابسات واستطرادات لا دخل لها في الحكم الشرعي، وعمل الفقيه هو النظر في هذه الملابسات والأوصاف الطردية والاستطرادات وإخراجها عن جملة التعليل، وإثبات العلة الحقيقية، ومثاله المشهور حديث الصحابي الأعرابي الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم يضرب رأسه، وينتف شعره، ويقول: يا رسول الله هلكت وأهلكت، وقعت على امرأتي في نهار رمضان، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: [أعتق رقبة .. ] (رواه البخاري(1936) ومسلم (1111) من حديث أبي هريرة)
وكون الرجل أعرابيًا، أو أنه جاء يضرب رأسه وينتف شعره، لا دخل له في الحكم عليه بأن يعتق رقبة لأن علة هذا الحكم هو المواقعة في نهار رمضان، فنفي الصفات والملابسات الجانبية الواردة في النص. وإثبات علة الحكم الحقيقية من خلال النص، هذا كله يسمى تنقيح المناط.
فإذا انعقد الإجماع على أن هذا الأمر علة جاز التعليل به ومثلوا لذلك بانعقاد الإجماع على أن الصغر علة في نفي الولاية على المال.