فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 135

وبالرغم من علمنا بهذه الغاية الكبرى، وهذه الحقيقة الكلية العامة إلا أننا لا نستطيع أن ندرك على التفصيل الحكمة الإلهية من خلق كل مخلوق، ومن تنظيم الأمر على هذا النحو، ولماذا كان هذا ولم يكن غيره، وذلك لأن إدراك الحكمة الإلهية كما هي عليه في الحقيقة أمر مستحيل، فأين عقل المخلوق واستيعابه، وفهمه من حكمة الخالق وسعة علمه، ولذلك نظل مهما أوتينا من قوة العلم ورجاحة العقل وسعة الإدراك نظل قاصرين أن نفهم الحكمة الإلهية على وجهها الأكمل، وأن نحيط علمًا بمشيئة الله وأمره ونهيه، وكثيرًا ما أرشدنا الله إلى ذلك حيث يقول: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا} (الإسراء:85)

ويقول أيضًا سبحانه: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} (البقرة:216)

ولذلك وجب التسليم لأمر الله ومشيئته، واعتقاد أن حكمته فوق كل حكمة، وأن علمه فوق كل علم وأنه سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

ولا يعني هذا بالطبع أن لا ندرك بعض حكم الله سبحانه وتعالى في الخلق والتشريع والأمر والنهي بل الله جل وعلا قد بين الغايات الكلية والمقاصد العامة لخلقه وتشريعه، وقد بين أيضًا سبحانه وتعالى بوجه عام الحكمة من وراء معظم الأحكام وذلك ليزداد المؤمنون إيمانًا ونصل إلى اليقين بأن الرب العظيم هو المتصف بالعلم المحيط والحكمة البالغة.

ونستطيع أن نجمل المقاصد العامة للتشريع فيما يلي:

وذلك أن الله لم يخلق الخلق إلا ليعبد وحده ويعرف سبحانه بأسمائه وصفاته، فالله جل وعلا وإن كان هو المحمود لذاته، والذي لا يحيط أحد علمًا به إلا هو، ولا يثني أحد عليه كما أثنى هو سبحانه على نفسه، فإنه خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ونعني بالخلق كل مخلوق سواء من الملائكة أو من الجن أو الإنس أو الجمادات أو غير ذلك. قال تعالى في شأن الملائكة وأنهم عباده وليسوا أولاده كما زعم المشركون: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا بل عباد مكرمون* لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} (الأنبياء:26 - 27)

فأخبر سبحانه أنهم عباده وأنهم ليسوا أولاده، وقال في الجن والإنس والسبب في خلقهم: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات:56 - 27)

ولا يخفى أن الله سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى هذه العبادة لأنه المحمود بذاته الذي حمد نفسه وأثنى على نفسه ولا يستطيع أحد أن يقدره حق قدره، ويعلم عظمته وسلطانه وعلو شأنه إلا الرب سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت