الشريعة الإسلامية مبنية بناء متينًا حكيمًا لأنها تنزيل العزيز الحميد، وكل صغير وكبير في هذه الشريعة موضوع في موضعه تمامًا، فكما أن خلق الله سبحانه وتعالى لا تفاوت فيه فكذلك أمره سبحانه وتعالى لا تفاوت فيه فكل أوامره عدل وكل أمره قد تنزل على وفق العلم التام والحكمة البالغة: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} (الملك:14) فالذي خلق هذا الإنسان هو الذي أنزل له ما يصلحه في هذه الدنيا، وما يناسبه تمامًا.
وكلما تعرفنا على طريقة بناء هذه الشريعة كلما ازددنا إيمانًا بعظمة الخالق وحكمة أوامره وإحاطة علمه، وعظيم خبرته. قال تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون} وهذا في المحصلة يدعونا إلى التسليم لأمره سبحانه وتعالى، والإذعان له واليقين أنه سبحانه وتعالى قد وضع كل أمر في نصابه، وأنه لا يظلم أحدًا ولا يجور في حكمه، ولا ينسى ولا يميل ولا يحيف.
وحتى نتعرف على طريقة بناء هذه الشريعة الحكيمة يلزمنا أولًا أن نعرف غايات الخالق من الخلق، وذلك أن هذه الشريعة إنما جاءت محققة لهذه الغايات، فالشريعة هي الصراط والطريق الموصل إلى هذه الغايات.
وقد أعلمنا الله سبحانه وتعالى أنه ما خلق الخلق إلا لعبادته قال سبحانه وتعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات:56)
وقال أيضًا عن الملائكة: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا سبحانه بل عباد مكرمون* لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون* يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} (الأنبياء:26 - 28) فالملائكة والإنس والجن ما خلقوا جميعًا إلا لعباده الواحد الأحد سبحانه تعالى والسموات والأرض ما خلقت ولا نصبت إلا لتحقيق هذه الغاية قال تعالى: {تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليمًا غفورًا} (الإسراء:44) فكل شيء إنما هو عابد لله مسبح له.
فكان تسخير الله للسموات والأرض من أجل الإنسان ليقوم هذا الإنسان بعبادة خالقه وربه ومولاه سبحانه وتعالى.