فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 135

وهذا الإجماع دليل ظني، وليس دليلا قطعيا لأن الساكت لا ينسب له قول، وربما لو سئلوا لأفتوا بغير ذلك، وكذلك ربما كان هناك مخالف لمثل هذا الإجماع ولا نعلمه نحن، وهذا الإجماع السكوتي هو الذي يدعيه كثير من الناس، وقد قال فيه الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: من ادعى الإجماع فهو كاذب، وما يدريه أن الناس اختلفوا.

أي أن القول بأن هذه المسألة من مسائل الإجماع، ولا يعلم فيها ولم ينقل فيها إلا رأي طائفة منهم فقط يعد كذبا لأن الناس يمكن أن يكونوا قد اختلفوا، وهذا الإجماع على كل حال دليل ظني ويجوز العمل به، وليس حجة قطعية.

أ- إجماع أهل المدينة:

ذهب الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة إلى أن إجماع أهل المدينة على أمر ما من أمور الدين هو حجة شرعية يخصص به النص العام، ويرد به ما خالفه من أخبار الآحاد الظنية، ومستند الإمام مالك، ومن تبعه في هذا ما يأتي على الإجمال:

(1) أن المدينة هي عاصمة دولة الإسلام الأولى في عهد النبي والخلفاء الراشدين وفيها نما الإسلام وترعرع، ومعظم الصحابة مكثوا فيها وماتوا بها ومن تبعهم بإحسان وهؤلاء هم خير القرون في الإسلام.

(2) أن أهل المدينة لم يعرف عنهم كذب وابتداع بخلاف ما نشأ في أمصار الإسلام الأخرى.

(3) أنه يستبعد أن يكون شيء فعله أهل المدينة جيلا بعد جيل في القرنين الأول والثاني الهجري، والسنة أو القرآن على خلاف ذلك الشيء.

وقد عارض جمهور العلماء الإمام مالكًا في ذلك مدعين:

(أ) أنه ليس هناك آية أو حديث يوجب اتباع ما كان عليه أهل المدينة والحجة في النصوص.

(ب) أن من خيار الصحابة والتابعين من كانوا في أمصار الإسلام، وأنه لا يستبعد أن يكون معهم من العلم والفقه ما لم يكن عند أهل المدينة.

والصحيح أن القول بأن إجماع أهل المدينة حجة أو ليس بحجة ليس على إطلاقه، وخير من فصل هذا الأمر هو الإمام ابن تيمية حيث يقول في فتاويه:"إجماع أهل المدينة على أربعة مراتب:"

أولًا: ما يجري مجرى النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل نقلهم مقدار الصاع والمدِّ، وترك صدقة الخضروات والأحباس (الأوقاف) فهذا مما هو حجة باتفاق العلماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت