الأمة الصالحة التي نعنيها هنا هي الأمة القائمة بأمر الله سبحانه وتعالى المقيمة لحدوده سبحانه العابدة لله وحده، التي قد جعلت الدنيا مزرعة ومعبرًا للآخرة، والتي يتراحم أفرادها ويتعاطفون، وتتآلف قلوبهم وتجتمع جهودهم على محبة الله ورضوانه، ويكون دين الله ظاهرًا بها .. الأمة التي يكون فيها وبها كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وأصدق مثال لهذه الأمة هو عهد النبوة والخلافة الراشدة (صدر الإسلام) ففي هذا العهد ظهرت هذه الأمة على أكمل صورة، وأفضل مثال، ولذلك مدح الله سبحانه وتعالى هذه الأمة في ذلك العصر في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرًا عظيمًا} (الفتح:29)
فمن صفات أفراد هذه الأمة أنهم متراحمون فيما بينهم، أشداء على أعدائهم، قائمون بأمر ربهم ركعًا سجدًا، وجوههم تطفح بالنور والإشراق من أثر السجود لخالقهم، هم غيظ لأعدائهم، وبهجة ونور لأوليائهم، وقد وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا بجوامع كلمه فقال: [مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر] (رواه البخاري 6011، ومسلم 2586 عن النعمان بن بشير)
وناهيك عما كان في هذه الأمة من شوق إلى الآخرة، وزهد في الدنيا، وتسابق وتنافس نحو البر والخير، فأي أمة هذه التي يحرم الرجل نفسه من طعامه وطعام أولاده ليطعم ضيفه، والذي ينفق ماله كله في سبيل الله فلا يدخر شيئًا لولده، والذي يبايع الصحابة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت في سبيل الله وألا يفروا ولو كان العدو أضعافهم، والتي فيها يتقاسم المهاجرون والأنصار أموالهم والتي يتآخى فيها الغرباء والمواطنون ويكونون في أخوتهم أفضل من أخوة الدم؟!!
ولا يعني وجود هذه الأمة أن تكون خالية من الجريمة ومن النفاق فهذه الأمة في صدرها الأول على طهارتها وصلاحها لم تكن خالية من المنافقين، فقد كان هناك عدد كبير منهم، وكذلك لم يخل مجتمعها من الجريمة فقد كان هناك من زنى فرجم، ومن سرق فقطعت يده، ومن غدر فجوزي بجنس عمله قطعًا ليديه ورجليه وسملًا لعينيه، وكل هؤلاء من الذين استظلوا بمظلة الإسلام، وأشهروا وأعلنوا إسلامهم، ولكن كان الشر هذا مستخفيًا لا مستعلنًا، واليد العليا للمسلمين والكلمة العليا لله ولرسوله وللقائمين بأمره.