فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 135

الرسل أشرف البشر وأعلاهم منزلة في الدنيا والآخرة وأفضل العالمين، وكان أعظم وصف للرسول محمد صلى الله عليه وسلم وصفه الله به أنه عبد لله كما قال عنه سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: {سبحان الذي أسرى بعبده} (الإسراء:1) .. وفي مقام إنزال الكتاب {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده} (الفرقان:1) .. وفي مقام الدعوة: {وأنه لما قام عبدالله يدعوه} (الجن:19) ، وفي مقام التحدي: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} (البقرة:23) وهذه أشرف المواطن، فما وصف الله رسوله بالعبودية فيها إلا تعظيمًا لهذا الوصف.

وقال عن عيسى: {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلًا لبني إسرائيل} (الزخرف:59) وقال عن الملائكة: {بل عباد مكرمون* لا يسبقونه بالقول} (الأنبياء:26 - 27)

والخلاصة: أن من استعمله الله في طاعته وخدمته والقيام بأمره فقد أكرمه وقربه، ومن خذله الله وأبعده فقد أهانه وحرمه، ولا شك أن من أهانه الله ليس له من مكرم ولذلك قال الله تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس، وكثير حق عليه العذاب، ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء} (الحج:18)

فمن أهانه الله خذله وحرمه من السجود له .. ولهذا يجب أن ينظر إلى التكليف على أنه تشريف وكرامة وعلو منزلة لا على أنه كلفة ومشقة وإهانة وعنت تعالى الله أن يكون القائم بأمره كذلك {طه* ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى* إلا تذكرة لمن يخشى* تنزيلًا ممن خلق الأرض والسموات العلى* الرحمن على العرش استوى} (طه:1 - 5)

فيستحيل أن يكون نزول القرآن لشقوة الرسول وشقوة أتباعه بل لسعادتهم وعزتهم في الدنيا والآخرة، بل الشقوة على من خالف أمر الله، وابتعد عن طريقه كما قال عز وجل: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} (طه:124)

فالمعرض عن الله هو الشقي المنكود، والمقبل على الله هو السعيد الموعود بكل خير وبر، وهذه القاعدة قد بسطنا القول فيها لما لها من أهمية في كل فرع من فروع التشريع، وذلك أنه ينبني على هذه القاعدة (التكليف تشريف) ما يأتي:

ما دام أن التكليف تشريف فلا يجوز لنا أن نفرض العبادات نوعًا من العقوبات والتعزير لأن العبادة شرعت ووضعت للتكريم لا للإهانة ومكان العقوبة الإهانة لا التكريم، ولا ينقض هذا كون الكفارات نوعًا من العقوبات لأن الكفارات في حقيقتها رحمة بالمسلم لنوع خاص من المخالفات التي هي في الحقيقة من الأخطاء لا من الإجرام كقتل الخطأ، واليمين التي يحنث فيها صاحبها، والظهار، والجماع في نهار رمضان، وهذه كلها أخطاء لا تدخل في دائرة الإجرام كالسرقة وتعمد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت