والخلاصة: أن الشريعة الحكيمة فتحت مجالات العبادة على مصراعيها، ووضعت حدودًا قصوى لا لكبت الطاقة، وتحجيم الخير وإنما للنهي عن الغلو والإفراط كما أن الشريعة أيضًا فتحت مجال أداء حقوق الناس وخدمتهم فأمرت بالبر والإحسان إلى الوالدين، والأقربين وجعلت خير الناس خيرهم لأهله، وأمرت بالتسامح والعفو مع القدرة، ومجازاة السيئة بالحسنة، وأثابت على خدمة الناس والسعي في معالجتهم وكل ذلك بما يشغل الطاقة في البر والإحسان، وينمي الموهبة ويفتح المجال ليصل المؤمن إلى منتهى الكمال المقدر له وكل ذلك يصب نحو الهدف والغاية التي نحن بصددها (الإنسان الصالح) .
وإذا كانت الشريعة قد راعت الفروق الفردية وأفسحت المجال لأهل الفضل والمواهب ليتنافسوا في الخير ويتسابقوا في الإحسان فإنها أيضًا وضعت حدودًا دنيا جعلتها فروضًا عينية واجبة على كل مكلف وذلك لتزكو أنفس الجميع، ويتطهر الكافة ويكون كل من دخل تحت مظلة الإسلام صالحًا في الحد الأدنى ففرضت للقيام بحق الله واجبات عينية على كل مكلف كالصلوات الخمس في اليوم والليلة، وصيام شهر واحد في العام هو رمضان، وزكاة واجبة للأموال وحج واحد في العمر، كما فرضت في التعامل وجوب رد الجميل ومقابلة الإحسان بالإحسان وأجازت رد الإساءة بالإساءة وأوجبت معاملة الناس على النحو الذي يحب الإنسان أن يعامل هو به.
وبذلك أوجبت الشريعة الحكيمة على كل إنسان أن يكون صالحًا ولو في الحدود الدنيا التي لا يجوز تجاوزها هبوطًا إلى الإثم، وبذلك راعت الشريعة الحكيمة كل المستويات وصولًا إلى الغاية التي قررتها وهي الوصول إلى المسلم (الصالح) .
الغاية الثانية من التشريع الإسلامي هي إقامة المجتمع الصالح وحتى نفهم هذه الغاية على وجهها الصحيح سنقسم البحث فيها على النحو التالي:
(1) مفهوم المجتمع الصالح.
(2) أدلة وجوب إقامة هذه الأمة.
(3) التشريعات التي شرعها الإسلام لإقامة هذه الأمة.
(4) كيف قامت هذه الأمة قديمًا؟ وكيف تقام الآن؟