فأجاب:"الحمد لله رب العالمين. أصل هذا أن تعلم أن لفظ القياس لفظ مجمل، يدخل فيه القياس الصحيح والقياس الفاسد."
فالقياس الصحيح هو الذي وردت به الشريعة، وهو الجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، الأول قياس الطرد، والثاني قياس العكس، وهو من العدل الذي بعث الله به رسوله.
فالقياس الصحيح مثل أن تكون العلة التي علق بها الحكم في الأصل موجودة في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها، ومثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه قط، وكذلك القياس بإلغاء الفارق، وهو: أن لا يكون بين الصورتين فرق مؤثر في الشرع فمثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه، وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأنواع بحكم يفارق به نظائره فلا بد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم، ويمنع مساواته لغيره، لكن الوصف الذي اختص به قد يظهر لبعض الناس، وقد لا يظهر، وليس من شرط القياس الصحيح المعتدل أن يعلم صحته كل أحد، فمن رأى شيئا من الشريعة مخالفا للقياس الذي انعقد في نفسه، ليس مخالفا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر.
وحيث علمنا أن النص جاء بخلاف قياس، علمنا قطعا أنه قياس فاسد، بمعنى أن صورة النص امتازت عن تلك الصور التي يظن أنها مثلها بوصف أوجب تخصيص الشارع لها بذلك الحكم فليس في الشريعة ما يخالف قياسا صحيحا، لكن فيها ما يخالف القياس الفاسد، وإن كان من الناس من لا يعلم فساده". انتهى منه بلفظه (الفتاوى(20/ 504 - 505 ) ) "
ثم أجاب شيخ الإسلام -رحمه الله- أجوبة تفصيلية على ما ذكره السائل من أن تطهير الماء على خلاف القياس، والتوضؤ من لحوم الإبل على خلاف القياس، والفطر بالحجامة، والسلم .. الخ. مبينا أن كل فرع من هذه الفروع قد قام بخصوص كل منها من المعاني ما يختص به ويجعله منفردا عن بقية أفراد نوعه، وبذلك يحتم أن يكون له حكم خاص، وذلك أن الشريعة المطهرة لا يمكن أن تجمع بين مختلفين في حكم واحد، وكذلك جمع المختلفين والنقيضين تحت حكم واحد ظلم وخطأ أيضا.
بعد معرفتنا بالفقرة السابقة نأتي إلى قاعدة هامة من قواعد القياس، وهي إذا كانت الشريعة قد خصت قضايا معينة بحكم خاص وأخرجتها عن القاعدة العامة، وجعلت لها حكما مستثنى فهل يجوز لنا أن نقيس على هذا الأمر المستثنى من القاعدة العامة أم لا؟
ومثال ذلك العرايا، فلا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حرم بيع الرطب بالتمر، وهو الذي يسمى بالمزابنة، ولكن رخص في العرايا. وهي أن يشتري الشخص نخلة مثمرة بخرصها تمرا .. فهل يجوز أن تقيس على عرايا النخل عرايا العنب مثلا فيشتري الشخص شجرة عنب من