فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 135

الطريقة الثانية التي اتبعها العلماء لمعرفة هذه القواعد، والقضايا الكلية هو الاستقراء، ومعناه تتبع المسائل المتماثلة للوقوف على قاعدة كلية تجمعها كما تتبعوا مثلًا الأوامر القرآنية بعد النهي فوجدوا أنها بوجه عام تكون للإباحة، مثل قوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} (المائدة:2) وقوله تعالى: {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} (البقرة:222)

فاستخرجوا من هذا قاعدة كلية تقول: كل أمر بعد نهي يقتضي الإباحة، ثم بذل جهد آخر فوقع أصولي على قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} (التوبة:5)

ولما كان قتال المشركين أمرًا بعد النهي وليس هو للإباحة تغيرت القاعدة وأصبحت:

"كل أمر بعد النهي يعود إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي"

والاستقراء عملية تفتيش وتتبع لكل المتماثلات ثم النظر فيها واستخلاص قاعدة كلية تبين القدر المشترك في هذه المتماثلات.

السبر هو الاختبار، ومنه يقال للعصا التي يعرف بها عمق الماء مسبار، والآلة التي يعرف بها درجة حرارة الجسم مسبار، والتقسيم في اللغة معروف وهو بمعنى التوزيع والتفريق.

والمقصد هنا في هذا العلم هو رفض الفروض الخاطئة التي لا يؤيدها الدليل وإبقاء الصحيح المؤيد بالدليل ثم تقسيم هذا الصحيح القسمة المناسبة فمثلًا: في معرفة أنواع الحكم الشرعي التكليفي بعد عملية السبر بالدليل والتقسيم تبين أن الحكم الشرعي التكليفي لا يخرج عن كونه: أما أمرًا، وإما نهيًا، وإما تخييرًا.

وباختبار الأوامر وجد أخيرًا أنها لا تعدو كونها: إما واجبًا لازمًا، وإما مستحبًا مندوبًا ..

وباختبار النهي وجد أنه لا يعدو كونه: إما حرامًا يجب تركه، وإما مكروهًا يتنزه فقط عن فعله ..

ووجد أن المباح ليس إلا قسمًا واحدًا يخير المسلم بين فعله وتركه، وبذلك أصبحت أقسام الحكم التكليفي خمسة لا سادس لها هي: الوجوب، والندب، والإباحة، والحرمة، والكراهة. ومن ذلك استنبطت قاعدة كلية يندرج تحتها كل أحكام التكليف فقيل: الحكم الشرعي التكليفي هو أحد هذه الأقسام الخمسة: الوجوب، والندب، والإباحة، والحرمة، والكراهة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت