فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 135

ينقسم الحرام أيضًا إلى قسمين: حرام لذاته وهو الأمر الفاحش الغليظ الذي يؤدي إلى فساد عظيم في إحدى الضرورات الست (الدين والنفس، والمال، والعرض، والنسل، والعقل) وعموم الكبائر كذلك وهناك من الحرام ما حرمه الله سبحانه وتعالى سدًا لذريعة الوصول إلى الحرام كتحريم الخلوة بالأجنبية والنظر إليها، وسفر المرأة بغير محرم لأنه قد يجر إلى الزنا، وتحريم قبول الهدية من المدين لأنه قد يفضي إلى الربا، وتحريم استعمال أواني الخمر، وشهود مجالسها وإن لم يشرب الشاهد والحاضر حتى لا ينزلق إلى الشرب، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها لأنه يفضي إلى قطع الأرحام.

وهكذا قد سد الشارع الحكيم أبواب الذنوب الكبيرة التي حرمت لذاتها وضررها بأمور ليست ضارة ولا فاسدة في ذاتها، وإنما توصل إلى حرام فإنه حرمها.

ولا شك أن هذا الذي حرم لما يجر إليه من حرام، وليس لذاته، قد يباح بعضه أحيانًا لمصلحة راجحة كما أباح الله النظر إلى المخطوبة قبل الزواج، وذلك لدوام العشرة، وقد يباح أيضًا هذا النظر في العلاج، وما هو من جنس الحاجات فضلًا عن الضرورات، وأما المحرم لذاته فإنه لا يباح إلا في ضرورة.

هذه المسألة يذكرها علماء الأصول في هذا الباب ويضربون لذلك أمثلة منها:

الصلاة في الأرض المغصوبة، فالإمام أحمد يرى في هذه المسألة أن الصلاة عينها في غصب لأن قيام المصلي، وقعوده في ملك غيره غصب، وليس صلاة، فالصلاة هنا لاغية لأن فعل الطاعة هو نفس فعل المعصية، وجمهور العلماء يرون أن الصلاة حقيقة مستقلة عن الغصب، فالصلاة طاعة، والغصب معصية ... ولذلك فصلاة المصلي صحيحة.

وأما على قول الإمام أحمد فصلاته باطلة، وعليه إعادة هذه الصلاة في أرض ليس غاصبًا لها، ويورد الجمهور على الحنابلة في هذه القضية الصلاة في الحرير والذهب فيقولون: إذا كانت الصلاة في الأرض المغصوبة باطلة فكذلك يجب عليكم أن تقولوا في الصلاة مع لبس الحرير ولبس الذهب لأن المصلي عاص أيضًا وقت صلاته، والحنابلة يرون هنا أن جهة النهي منفكة لأن اللبس غير القيام والقعود في الأرض المغصوبة.

ومن المسائل أيضًا التي تذكر هنا: سرقة المصلى أثناء صلاته، والصحيح أن مثل هذه المسألة لا يجوز التوقف في القول ببطلان صلاة من صلى وسرق، لأنه حتمًا ساهٍ عن صلاته، ولاهٍ عن غايتها وثمرتها، فكيف يكتب له ثواب صلاة يسرق فيها!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت