وإجماع الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على مسألة ما من مسائل الدين ليس تشريعًا جديدًا لأن الإجماع يستند دائمًا إلى دليل شرعي (آية من كتاب الله أو حديث من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم) ، وبذلك يكون الإجماع في نهاية أمره مردود إلى الله سبحانه وتعالى إذ لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة .. وهذا من توفيق الله لها، وبالنهاية فإجماعها من حكم الله.
*أثر الإيمان بهذه القاعدة (إن الحكم إلا لله) :
للإيمان بهذه القاعدة آثار عظيمة في التشريع الإسلامي، وهاك أهم هذه الآثار:
أ- تحري الحق والرجوع إلى القرآن والسنة قبل الإفتاء:
أول هذه الآثار هو غرس تحري الحق والبحث والتنقيب عن حكم الله سبحانه وتعالى في كل قضية وعدم اللجوء إلى الرأي إلا في أضيق الحدود، وعندما يتم العجز التام عن وجود نص عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك مخافة أن يدخل المسلم تحت قول الله سبحانه وتعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون* متاع قليل ولهم عذاب أليم} (النحل:116 - 117) ، وبهذا يضيق مقام التقول على الله سبحانه وتعالى والتعجل في إصدار الحكم الشرعي، وذلك أن كل عالم ومفت وإمام وحاكم إذا استقر في قلبه أنه يصدر شكلها باسم الله، وكان مع ذلك من أهل الإيمان والخوف من الله سبحانه وتعالى فإنه سيبذل قصارى جهده في أن يصل إلى مراد الله حقًا وصدقًا وأن يتعرف على ما يحبه الله ويرضاه وعلى مقاصد تشريعه وأهداف رسالته في الأرض.
ب- رد كل خلاف بين المسلمين إلى كلام الله وكلام رسوله:
وأما الثمرة الثانية لهذا الأصل فهي تضييق شقة الخلاف بين المسلمين وذلك أنهم سيصدرون في فتاويهم وآرائهم عن كلام الله وكلام رسوله، ثم يعودون في كل خلاف ينشأ بينهم إلى كلام الله وكلام رسوله عملًا بقوله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا} (النساء:59) ، وبهذا تضيق شقة الخلاف ويقل تحكيم الرأي والهوى، وتعظم طاعة الله وطاعة رسوله، ويجتمع المسلمون ما أمكن على كلمة سواء، ويكون كلام الله هو الفيصل دائمًا عند نشوء أي خلاف في الرأي والاجتهاد.