فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 135

العلة هي الوصف الظاهر المنضبط المشتمل على الحكمة الباعثة على تشريع الحكم كالإسكار في الخمر، فالإسكار وصف ظاهر منضبط وهو السبب الذي من أجله شرع الله سبحانه وتعالى تحريم الخمر، فلولا وجود الإسكار في الخمر ما كان هناك حكم بالتحريم، فحيث وجد هذا الوصف الذي هو العلة وجد الحكم وهو تحريم المشروب، وحيث انتفى هذا الوصف انتفى الحكم الذي هو التحريم.

والاعتداء والعدوان علة لنهي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبيع المسلم على بيع أخيه، وأن يخطب على خطبته، فالاعتداء والعدوان وصف ظاهر منضبط وهو يشتمل على الحكمة الباعثة على تشريع حكم معروف، والحكمة هي الحفاظ على المجتمع المسلم من التفكك والعداوة.

يطلق كثير من الأصوليين العلة والسبب إطلاقا واحد لمعنى واحد، وهو ما قدمناه في تعريف العلة، فيجعلون السبب والعلة بمعنى واحد، وبعضهم يفرق بين السبب والعلة. فالعلة عندهم ما يمكن أن يدرك بالعقل كالإسكار في تحريم الخمر، والعدوان في تحريم البيع على البيع ويسمى هذا أيضا سببا، ويفرد السبب أيضا بما لا مدخل للعقل في معرفة حكمته، ومعقوليته، علما بأنه وصف ظاهر منضبط لحكم شرعي كالزوال مثلا سبب لوجود صلاة معينة هي صلاة الظهر، والغروب سبب لوجود صلاة هي صلاة المغرب، فهذه أسباب وليست علل. فيكون على هذا عندهم كل علة سبب، وليس كل سبب علة.

وأما الحكمة فهي المقصد الشرعي من وراء تشريع الحكم والذي يدور على جلب المصالح، ودفع المفاسد، وقد شرحنا هذا باستفاضة في باب المقاصد الشرعية من التكليف.

فمعلوم أن الله سبحانه وتعالى يشرع لحكم عظيمة وأهداف جليلة كما خلقنا لعبادته، وفرض الصلاة لنذكره ونخشاه، والصوم لنتعلم التقوى، وتصلح نفوسنا، والزكاة ليطهرنا بها، والقصاص للحفاظ على حياتنا، وشرع الحدود لحفظ ديننا وأموالنا، ودمائنا، وعقولنا، وأعراضنا ... والشاهد أن كل حكم شرعي فإنما وضع لحكمة عظيمة.

وتمثيلا لما سبق نقول: القصاص حكم شرعي وهو فرض على من قتل عمدا عدوانا، فالقتل عمدا عدوانا هو العلة والسبب الذي جاء حكم القصاص بسببه والحكمة هي الحفاظ على النفوس كما قال تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} (البقرة:179) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت