وهذا يعني أن مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم هي تبليغ كلام الله، ثم تبيينه للناس حسب مراد الله سبحانه وتعالى، وحسب ما يوفقه الله تعالى له كما قال عز وجل: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا} (النساء:105)
فالله هو الذي يوفق الرسول ويريه، فاجتهاد الرسول حق لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مسدد وموفق ومعصوم بعصمة الله له، ولا يقره الله على اجتهاد خالف فيه الأولى والأحرى -وسيأتي لهذا الأمر تفصيل وشرح في باب السنة من مصادر التشريع- والمهم هنا أن نقرر أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس هو الحاكم في الحكم الشرعي بل الله هو الحاكم، وإن كان الحكم يسند إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ ومبين لكلام الله وحاكم بأمر الله وقاض بقضائه سبحانه وتعالى ولذلك كانت طاعته طاعة لله: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} (النساء:80)
والحكم الشرعي إذا نسب إلى عالم وفقيه مجتهد، أو قاض، أو إمام كأمير ونحوه فإنه لا يعني أن الحاكم هو أحد هؤلاء، بل هؤلاء جميعًا موقعون عن الله واجتهادهم وقضاؤهم وأوامرهم يجب أن تكون جميعها مستندة إلى حكم الله سبحانه وتعالى من كتابه أو سنة رسوله، وهؤلاء إن حكموا بالنص القرآني أو الحديثي، فقد حكموا بحكم الله، وإن لم يجدوا نصًا واجتهدوا بآرائهم أو بقياسهم، فيجب أن يكون اجتهادهم هو ما يظنون أنه حكم الله، وليس لأحدهم أن يحكم بهواه، أو برأيه المجرد، أو بما يستحسنه من عند نفسه دون نظر إلى مقاصد الشرع وأهدافه وقواعد الشريعة وأحكامها، وهذا يعني في المحصلة النهائية أنهم يحكمون بحكم الله، فإن أصابوا فمن الله، وإن أخطأوا -لأنهم غير معصومين- فإن هذا الحكم ينسب لأنفسهم ولا ينسب إلى دين الله وتشريعه.
ولما كان العلماء المجتهدون، والقضاة، والحكام يجتهدون فيصيبون أحيانًا، ويخطئون أحيانًا كان الدين الذي تعبدنا الله به هو كلامه وكلام رسوله فقط، لأن كلام الله وكلام رسوله هو الكلام المعصوم من الخطأ فقط.
وسيأتي لهذا مزيد تفصيل في أبواب الاجتهاد إن شاء الله تعالى، والمهم هنا أن نفهم أن من له الحكم وحده هو الله سبحانه وتعالى، وأن العلماء مجرد موقعين عن الله مبلغين عنه وعن رسوله، محاولين باجتهادهم أن يصلوا إلى حكم الله سبحانه وتعالى، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: [إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر] (رواه البخاري 7352 ومسلم 1716 من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه)