فجعلناه هباءً منثورًا (الفرقان:23) ولحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله عبدالله بن جدعان كان يطعم الحاج في الجاهلية فهل ينفعه ذلك عند الله يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين] (رواه مسلم) .
أي لأنه لم يؤمن بالآخرة فلا ينفعه عمله الصالح في الدنيا وهكذا كل كافر، ولكن هذا لا يعني أن الكافر غير مطالب بالصلاة والزكاة والحج، بل هو مطالب شرعًا بكل ذلك كما قال سبحانه: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم} (البقرة:21) وهذا أمر بعبادة الله والصلاة والصوم والزكاة والحج داخل في العبادة -ولا شك-.
ولكن هذه العبادات لا تقبل منه طالما بقي على الكفر بالله وهكذا القول في ارتكاب الكافر للمحرمات فإنه مطالب بتركها معاقب على فعلها في الآخرة عقابًا زائدًا على عقوبة الكفر.
قال تعالى: {والذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابًا فوق العذاب بما كانوا يفسدون} (النحل:88) ، وهذا يعني في المحصلة أن الكافر يوم القيامة يحاسب على تركه للواجبات وفعله للمحرمات عقوبة زائدة على كفره.
وأما في الدنيا فلا يجب علينا معاقبة الكافر المعاهد والذي داوم على ترك الواجبات العبادية وعلى فعل المحرمات التي يرى إباحتها في دينه: كأكل لحم الخنزير وشرب الخمر، ولكن العقوبات الجزائية لعدوانه على مسلم أو نقضه لعهده فإنه يعاقب عليها وهذه عقوبة دنيوية للتعدي على حقوق الناس، وأما حق الله سبحانه وتعالى فهو متروك للآخرة.
والشريعة الحكيمة قد جعلت للمضطر أحكامًا خاصة، ولم تجعله كغيره ممن لا يقع تحت ضرورة فأباحت له قول كلمة الكفر بلسانه اضطرارًا كما قال تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} (النحل:106) ، وأباحت له كذلك مصانعة الكفار ومدارتهم خوفًا كما قال سبحانه وتعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة} (آل عمران:28)
وأباحت له كذلك أكل ما حرم عليه من أطعمة، قال تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا بالأزلام ذلك فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} (المائدة:3)