الإجماع في اللغة يعني الاتفاق. ومنه قوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام حيث يقول لقومه متحديا لهم {فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} (يونس:71)
أي اتفقوا جميعا على حربي وعداوتي، ولا تمهلوني فإني أتحداكم بذلك لأنني متوكل على ربي ولن تصلوا إلي فهو يحميني منكم. ومنه قوله تعالى أيضا عن يوسف عليه السلام: {فلما ذهبوا به. وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب} (يوسف:15) أي اتفقوا جميعا على إلقاء يوسف في البئر.
وأما معنى الإجماع في اصطلاح علماء الأصول فهو: اتفاق جميع المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر من أمور الدين.
ومعنى هذا الاصطلاح: أن الإجماع لا يقع إلا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأما في حياته فالعبرة بالوحي والمرجع في كل خلاف وتشريع إلى الله ورسوله فقط، ولا عبرة لقول أحد يخالف قوله صلى الله عليه وسلم، ثم إن الإجماع لا يكون إلا للمجتهدين من أهل العلم، فالعامة والجهلة، والمارقون لا دخل لهم في الإجماع.
الإجماع دليل شرعي، ومما يدل على أنه حجة الكتاب والسنة فمن الكتاب والسنة آيات كثيرة تؤيده أشهرها:
(أ) قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (آل عمران:110)
فلما مدح الله المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بذلك علم يقينا أنهم يستحيل أن يجتمعوا على ضلالة، وأن يصدر من جميعهم في عصر ما يخالف الحق، ويجعلهم خارجين عن الدين، وخارجين عن هذه الخيرية، والآيات التي تدل على ما دلت عليه الآية السابقة كثيرة جدا.
(ب) قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} (النساء:115)
ولا شك أن مشاقة الرسول وحدها موجبة للعذاب فما دام أن الله جمع لذلك أيضا اتباع غير سبيل المؤمنين دل ذلك على أن هذا موجب للعذاب أيضا وإلا كان ذكره في الآية بغير فائدة.