والصحيح ما قدمناه من تقديم الكتاب والسنة على الإجماع من حيث ترتيب الأدلة ولكن لو فرض وجود إجماع صريح عارضه حديث ما فيه اختلاف في مدلوله ومعناه فإننا نقدم الإجماع الصريح علما أنه يستحيل وجود إجماع لا يستند إلى نص، فيكون الإجماع هنا بمثابة تقديم نص على نص، أو ترجيح مدلول نص على مدلول آخر.
قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله-:"قد استقرأنا المسائل التي أجمعوا عليها فلم نجد إجماعًا لا يستند إلى نص".
وهذا الذي قاله الإمام ابن تيمية -رحمه الله- يدل على أن مستند الإجماع الصحيح هو النص من الكتاب والسنة، وليس الرأي المجرد، ويفيد أيضا أن الإجماع الصحيح المنقول إلينا نقلا صحيحا يستحيل أن يخالف النص أبدا، لأن الأمة يستحيل أن تجتمع على ضلالة، ولا شك أن مخالفة النص ضلالة، فإن وجد على الفرض نص يخالف إجماعا صحيحا فلا بد وأن يكون هناك نص آخر راجح على هذا النص، وهو مستند الإجماع، أو يكون معارض الإجماع هو الفهم الخاطئ للنص، وليس النص نفسه كما فهم أقوام كثيرون ما أجمعت عليه الأمة بأنه مخالف للنصوص، وعند التحقيق يتبين أن فهمهم للنص هو المخالف لإجماع الأمة وليس النص كما احتج الخوارج لقوله تعالى: {إن الحكم إلا لله} (يوسف:40) ، على أنه لا تحكيم للرجال فخالفوا إجماع الأمة على القبول بتحكيم أهل العلم فيما شجر من خلاف بين المسلمين، وكذلك ما ادعاه الشيعة في رفض إجماع المسلمين على خلافة الصديق والفاروق رضي الله عنهما بأن هذا يخالف قوله صلى الله عليه وسلم: [أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى] (رواه البخاري(37076) ومسلم (2404) من حديث سعد بن أبي وقاص)
والصحيح أن النص صحيح ولكن فهمهم للنص خطأ، وهم خالفوا الإجماع بالفهم الخاطئ، وليس بالنص الصحيح.
للإجماع مرتبتان مشهورتان هما:
أ - الإجماع القولي: وهو ما نقل من كلام مجتهدي الأمة وعلمائها نصا، وذلك بأن يكونوا قد تكلموا به، أو قضوا به، ويسمى هذا الإجماع (الإجماع الصريح) ، وهذا هو الإجماع الحقيقي الذي يحتج به على مخالفه، ومثل هذا الإجماع هو ما يكفر مخالفه.
ب - الإجماع السكوتي: وهو ما نقل عن بعض العلماء بالنص، ولا يعرف رأي الباقين من مجتهدي الأمة، أعني أن تشتهر فتوى أو حكم لبعض علماء المسلمين ولا يعرف مخالف لهم.