فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 135

وقد وضع الله سبحانه وتعالى قوانين العدل وموازين القسط في كل علاقة بين الإنسان والإنسان ولم يترك هذا للاجتهاد الشخصي بل أقام الحقوق والواجبات في كل عقد شرعي مما يحتاجه الناس في حياتهم كعقود البيع والإجارة والمزارعة والزواج والطلاق والبيعة، وغير ذلك، فالعقود الشرعية كلها قائمة على تحقيق هذا المطلب الشرعي، وقال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} (الحديد:25)

ومن هذا السياق نعلم أن العدل في ذاته هدف وغاية ومقصد من مقاصد الشريعة، وهذا العدل أيضًا وسيلة إلى غاية أخرى وهي تربية الإنسان الصالح الذي يؤمر بالعدل ويبتلى بتطبيقه لتصلح نفسه وتزكو أخلاقه، وهكذا يكون العدل غاية من جهة، ووسيلة من جهة أخرى، غاية في نفسه، فهو مطلب شرعي ووسيلة لتحقيق غاية أخرى وهي تكوين وإنشاء المسلم الصالح.

ومما وضعته الشريعة الحكيمة للوصول إلى الكمال الإنساني وتكوين الإنسان الصالح أنها فتحت المجال على مصراعيه للإحسان، وفتحت الميادين لإشغال الطاقة والموهبة ليصل الإنسان إلى نهاية الكمال المقدر ففي مجال العبادات وضعت حدودًا دنيا للطاعة، وهو الواجب والفرض وهذا مما يدخل في طوق كل مكلف إلا أصحاب الأعذار والضرورات ولم تكتف بذلك بل فتحت المجال لإشغال النهم، والرغبة في الاستزادة من الخير، فلم تضع الشريعة حدًا للأذكار (ذكر الله) قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا وسبحوه بكرة وأصيلًا} (الأحزاب:41 - 42) ..

وقال: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب* الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار} (آل عمران:190 - 191)

وقال تعالى في الحديث القدسي: [أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه] (ذكره البخاري تعليقًا 13/ 508 وصححه الألباني في صحيح الجامع 1906)

وقال صلى الله عليه وسلم: [من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه] (أخرجه مسلم 2692، وأبو داود 5019، والترمذي 3469 وقال حسن صحيح غريب)

وحدَّ النبي صلى الله عليه وسلم حدودًا عُليا لقراءة القرآن ثلاثة أيام، والقيام إلى ثلثي الليل، والصيام بصيام يوم وإفطار يوم، وهذا غاية ما يستطيع البشر ومن زاد فوق ذلك كان هذا على حساب واجبات أخرى من حق النفس والزوج وأدى ذلك إلى ضعف البدن المؤدي إلى الفرار من الزحف والعجز عن حقوق الناس، وهذا إفراط في العبادة يؤدي إلى التفريط في جانب آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت