فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 135

الأرض هو بمثابة الإذن له بالسعي والكد، وسلوك سبيل الحياة المناسب كما قال تعالى على لسان صالح عليه السلام: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} (هود:61)

ومعنى {استعمركم} أي خلقكم لتعمروها ولا تكون عمارتها إلا بالسعي والكدح واستكشاف المجهول والتعلم عن طريق التجربة والخطأ ...

وكذلك قال تعالى: {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة} (لقمان:20) ، وهذا التسخير يعني إباحة ما في السموات والأرض لمنفعة الإنسان وحياته ومعاشه.

وهذه الإباحة العقلية تسمى أيضًا في علم الأصول (استصحاب العدم الأصلي) وسيأتي تفصيل آخر لها في باب الأدلة إن شاء الله تعالى.

والمقصود بها ما ثبتت إباحته بنص شرعي على خصوصه كقوله تعالى: {وأحل الله البيع} (البقرة:275) .. وقوله: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} (البقرة:187) أو إباحة شرب الخمر المفهوم من قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} (النساء:43) ، وذلك كان قبل النسخ.

والفرق بين الإباحتين من جهة النسخ، فإذا أنزل الله قرآنًا أو تكلم الرسول بحكم يرفع الإباحة العقلية فإن هذا لا يسمى نسخًا. فتحريم الربا ليس نسخًا لحكم شرعي لأن المسلمين كانوا يفعلونه على البراءة الأصلية والإباحة العقلية قبل ورود النص فيه، وأما تحريم الخمر الثابت في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} (المائدة:90) هو نسخ للإباحة الشرعية السابقة في قوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} (النساء:43)

هناك خلاف بين علماء الأصول حول هذه الإباحة ومحصلته ما يلي:

(أ) قال بعضهم الأصل في الأشياء والأعمال هو المنع حتى يرد دليل شرعي لأن التصرف في ملك الغير مذموم، ولا يجوز للإنسان أن يتصرف في ملك الله بغير إذنه وهذا القول لا شك في خطئه لأن في هذا تحجيرًا كبيرًا على تصرف الإنسان وتجميدًا للحياة على الأرض، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إن كان شيئًا من أمر دنياكم فشأنكم به، وإن كان من أمور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت